الصمت مقبرة النساء

الأحد 2016/09/18

تحرر المرأة ليس في ثيابها ولا حتى في عملها، بل تحررها الفعلي هو في تعبيرها عن مشاعرها وأفكارها بجرأة وشجاعة وبدون مواربة، فقد تكون المرأة عاملة ومظهرها حضاري ويتماشى مع آخر صيحات الموضة، لكنها لا تعبّر عن نفسها صراحة، بل تخشى أن تبوح بحقيقة أفكارها ومشاعرها، كي لا يقيّمها من حولها بأنها نشاز، ولا يمكن أن ننسى الدراسة الهامة جدا والرائعة التي كتبتها الكاتبة الإنكليزية فيرجينيا وولف والتي تستحق بجدارة لقب كاتبة القرن العشرين حين كتبت كتابها النقدي “غرفة تخص المرء وحده” في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وفيه تحدثت عن أكثر من عشرين رواية لكاتبات من عصرها اشتركن جميعهن بأن بطلات رواياتهن كن مجنونات!

ولأن الجنون يحرر الإنسان من القيود والمنطق السائد فقد لجأت الكاتبات إلى الاختباء وراء شخصيات بطلاتهن المجنونات كي تعبرن تماما عن حقيقة أفكارهن، إذا لم يكن الجنون سوى ذريعة للتعبير الحر للمرأة التي تمثلها الكاتبة عن حقيقة أفكارها. كانت فيرجينيا وولف رائدة تحرر المرأة في زمنها، رغم أنها انتحرت بإغراق نفسها بعد أن ملأت جيوبها بالحصى، وأظن أن انتحارها أكبر دليل على أنها كانت امرأة سابقة لعصرها وتعاني آلاما نفسية عميقة وشرخا بينها وبين المجتمع، وأثبتت فيرجينا وولف وبعدها العديد من الباحثين أن المرأة تُدفن في الصمت، وبأننا لا يُمكن أن نتعرف على الآخر سوى حين يتكلم.

وللأسف فقد ترسّخت ثقافة الصمت بالنسبة إلى المرأة ولاقت الكثير من الإطراء والدعم، فتمّ الربط بين الأنوثة والصمت، كما لو أن صمت المرأة دليل أنوثتها، وفي الكثير من المسلسلات والأفلام العربية نجد جواب المرأة على طلب الزواج منها هو الصمت والإطراق خجلا! بل إن النساء اللاتي يتكلمن ويُعبّرن عن أنفسهن ويكون لديهن طموحهن الخاص يُتهمن بالاسترجال ويكنّ غير مرغوبات في سوق الزواج، إذا ارتبط مفهوم الأنوثة بالخضوع والصمت.

لكن الألفية الثالثة شهدت ثورة نسائية حقيقية، وخاصة في مجال الأدب، فخلال أقل من خمسة أعوام فازت ثلاث كاتبات بجائزة نوبل للآداب، كما حصل العديد من المناضلات في حقوق الإنسان والمرأة على جائزة نوبل، وصرنا نقرأ كتابات نسائية جريئة وتعبر تعبيرا حقيقيا وصادقا عن رؤية المرأة للعالم وخاصة علاقتها بالرجل، وأصبح لمفهوم الأمومة بحد ذاته معنى مُختلف، إذ كانت المرأة تُقدس وتُحترم حين تكون أما فقط (الجنة تحت أقدام الأمهات)، وما الإعلاء من قيمة الأمومة لدرجة التقديس سوى شكل مُبطن من استعباد النساء.

فلماذا المرأة المبدعة لا تكون مُقدسة أيضا؟ بل هي تُتهم بالأنانية وبالتقصير في واجباتها الأسرية! وحتى في المناهج المدرسية فإن الوظيفة الأساسية للمرأة (كما يُدرسون في المناهج المدرسية) تكون في إراحة الزوج من تعب العمل، أي أن وظيفتها ترفيهية للزوج! وكم من فتيات غيّرن دراستهن الجامعية بناء على رغبة الأهل وزوج المستقبل وبعضهن تركن عملهن بناء على رغبة الزوج والمفاهيم الاجتماعية المُتخلفة والمُتكلسة السائدة بأن الوظيفة الأساسية للمرأة هي راحة الزوج والأولاد دون أن يكون لديها طموحها الخاص ومشروعها في الحياة.

الانتصار الذي حققته النساء في القرن العشرين هو كسر صمت النساء والتعبير عن أنفسهن، لأنه في الصمت تُدفن النساء وتُدفن الحقيقة. ولا يمكننا أن نعرف الآخر إن لم يتكلم ويُفصح عن نفسه.

وأخيرا يجب أن تتغير مفاهيم تربية الفتاة عن الشاب وأن تترسخ مفاهيم النديّة والمساواة في القيم الإنسانية رغم الاختلاف الفيزيولوجي. وتكمن عظمة “ألف ليلة وليلة” في كون شهرزاد الأنثى تكلمت وأفصحت عن نفسها وأفكارها ووصلت لهدفها. وحده الكلام يُزيل سوء الفهم الذي يتسبب في مشاكل كثيرة وكارثية بين المرأة والرجل وبين المرأة ومحيطها. وفي الصمت تُدفن النساء.

كاتبة من سوريا

21