الصمت نقيصة وعقبة تربكان الحياة

الخميس 2018/01/18

قدّس العرب الصمت ورفعوا من شأنه واعتبروه في أحيان كثيرة في مرتبة أعلى من مرتبة الكلام، فقيل في الأمثال العربية “إذا كان الكلام من فضة فإن الصمت من ذهب” وقيل أيضا “رب سكوت أبلغ من كلام”، و”إذا صنت لسانك صانك” وأمثلة كثيرة أخرى تمجد الصمت وتدعو إليه كمذهب وعقيدة أحيانا، كما هو شأن المتصوفة “كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة” يقول النفري.

أكثر من ذلك ذهب العرب إلى اعتبار الصمت ذروة العقل ومنتهى الحكمة فكانوا يصفون الشخص الحكيم بأنه قليل الكلام، مترفع اللسان، ويصنفون الصمت على أنه شكل من أشكال البلاغة والإبلاغ قارنين بينه وبين التفكر.

الكلام كان دائما في مرتبة سفلى، مقارنة بالصمت، فهو “يذهب هيبة المرء” ويحط من قيمته ويفشي سره، وهو هذر ولغو ولغط، وهذيان، مقابل الصمت الجليل.

ولا أدري حقيقة سر هذه النظرة الدونية للكلام ومتى بدأ الترفيع من شأن الصمت ولأي سبب، لكن من المؤكد ان للبيئة الصحراوية وما تتميز به من صمت وهدوء ووحدة لها دخل في ذلك، فالإنسان كان ولا يزال يستمد صفاته من الطبيعة التي تحيط به ومن شكل العلاقة التي تربطه بها.

في أيامنا هذه، ورغم ما يتميز به عصرنا، من احتكاك وتقارب بين البشر، وبعد انفجار ثورة الاتصالات التي كان هدفها الأول محاربة الصمت وتحقيق التواصل الذي يجعل العالم قرية صغيرة، لا يزال الصمت يحظى بمكانة متقدمة في بعض الثقافات، ولا بد أنها حظوة ومكانة تستمدان مرجعيتهما من الموروث الذي اقترن بمفهوم الصمت ومعانيه.

للصمت معانٍ كثيرة، فهو رفض من جهة: “الساكت عن الحق شيطان أخرس” وقبول من جهة أخرى “الصمت علامة الرضى” وهو جواب من جهة وسؤال من جهة أخرى وهو تعبير عن السعادة من جهة وعن الحزن والكآبة من جهة أخرى، وتقريبا يمكن توظيف الصمت في كل الوظائف والدلالات التي للكلام، وهو بذلك يتساوى مع مرادفه في المعنى والدلالات. ومن هنا يحق لنا أن نتساءل: هل يوجد شيء اسمه صمت؟

أليس الصمت جزءا من الكلام ووجها من وجوهه؟

ورغم ما للصمت من وظائف ودلالات إلا أنه نادرا ما يوظف كأداة مقاومة للظلم والاستبداد، ولم يحدث أن سمعنا عن حكيم أو مناضل قاوم الظلم بالصمت أو بإضراب عن الكلام، إلا في قاعات التحقيق حيث الصمت حق مكفول، لكننا سمعنا كثيرا عن إضرابات الطعام داخل السجون والمعتقلات من أجل تحقيق أهداف ومطالب جماهيرية أو للتعبير عن الرفض للظلم والاستعباد.

ومع تقدّم الإنسانية وظهور الحريات اعتبر الكلام حقا شرعيا ومكسبا لا يجب التخلي عنه، تماما كالحق في العدالة والحريّة والمساواة، وظهر ما يسمى بـ”حرية التعبير” واعتبر الصمت وتكميم الأفواه تعسفا وسلبا للحقوق والمكاسب الشرعية.

وفي اعتقادي أن الوقت حان لنعيد النظر في مفهومنا للصمت وتقديسنا له وتعاطينا معه بوصفه وجها من وجوه الحكمة والبلاغة، وذلك لاعتبارات كثيرة تأتي في مقدمتها حاجة الإنسان اليوم إلى التواصل مع من حوله، في زمن التواصل فيه ضرورة تفرضها نوعية الحياة التي نعيشها، فنحن لم نعد نعيش في تلك الصحراء الخالية حيث لا شيء يحيط بِنَا غير النجوم والسماء والقمر التي نصمت لنحاورها داخلنا، بل وسط مجموعة متشابكة ومتشعبة من العلاقات والروابط المتداخلة التي تستوجب مهارات خارقة في التواصل وقدرة عالية على الإبلاغ وتوظيف الكلام.

علّموا أولادكم الكلام، وتكلّموا معهم ومع بعضكم كثيرا، لأن الصمت لم يعد ميزة و”هيبة” بل نقيصة، وعقبة تربكان الحياة.

كاتبة تونسية

21