الصم والبكم.. عالم اخترق جدران العزلة

الثلاثاء 2013/11/26
يشعر الصم والبكم أنهم منبوذون اجتماعيا وأن الأبواب موصدة في وجوههم

القاهرة- أحاديث.. لغتها صامتة ترويها الأصابع والإشارات، لتفصح عن أسرار روايتها المليئة بالغموض والألغاز.. إنه عالم الصمّ والبكم.. ترى كيف يتواصلون معا؟.. كيف يفهمون لغة الآخر؟

تساؤلات كثيرة تدور في الأذهان عن عالم هؤلاء الذين قد ينظرون إلينا بطريقة مغايرة. سامي سعيد الأب الروحي لرابطة الصمّ والبكم بالإسكندرية، وأحد رموز هذا العالم الصامت، والمثير للدهشة، تعلم لغة الإشارة من أمه الصمّاء، فتحول إلى راهب في خدمة هذا العالم، وبما لديه من خبرات وتجارب حياتية ثرية، تمكن من استيعابها، ليخترق عزلتهم، والجدران والحواجز العالية من حولهم..

ومنذ صغره كان هناك شيء ما يدفعه نحو هذا العالم الغريب والمثير للدهشة لفك رموزه، وذلك من خلال التعرف على حياتهم الخاصة ومجتمعهم المنغلق بأسراره الكبيرة، وفي سنوات عمره الأولى عرف أن اللغة هي المفتاح السحري لدخول دهاليز هذا العالم والوصول إلى أسراره، فتعلم لغة الإشارة من والدته، ووجد أنها لغة غريبة وفريدة من نوعها، ويصعب فك رموزها على الكثيرين من الأصحاء أو الذين يجيدون فهم اللغات الأجنبية، فمنذ صغره كان دائما همزة الوصل بين والدته الصماء والآخرين، حيث يقوم بترجمة رسائلها إلى المحيطين بها.

ويقول سعيد محمد حسن من "جمعية رابطة الأخوة للصمّ والبكم" في الإسكندرية ولديه إعاقة سمعية ويتحدث بصعوبة: إن الرابطة من أقدم الجمعيات التي تهدف إلى رعاية ذوي الإعاقات السمعية في مصر كلها حيث يرجع تاريخ إنشائها إلى عام 1958.

ويضيف: إن أنشطة الجمعية كثيرة ومتنوعة رغم من قلة الإمكانات المتاحة"، وتوجد عدة أقسام لتعليم الخياطة، ودورات لتعليم الإشارة، والنقش على الأخشاب والزخرفة الفنية، وتعليم الكمبيوتر بالإضافة إلى بعض المساعدات الأخرى لذوي الإعاقات كالمساعدة في الزواج والعلاج ومساعدات "رمضان" لغير القادرين.

ويشتكي مدير الجمعة، من نقص الإمكانات التي تتوفر للجمعية، خاصة وأنها تقوم برعاية نحو 700 شخص، مشيرا إلى عدم وجود أموال كافية لإقامة مشروعات تخدم الأعضاء أو حتى دعاية كافية لتلقي التبرعات.

وعلى الرغم من أن الجمعية تشارك بمنتجاتها في المعارض وتسوّق لها، إلا أن العائد المادي لا يكفي لسد الحاجات، فنصف إيراد المنتجات يذهب إلى الجمعية والنصف الآخر إلى صاحب الحرفة الذي يقوم بتصنيعها.

وتعرفنا على شاب تبدو عليه علامات الاعتزاز بالنفس، وكأن عينيه تتحدى الآخرين، وهو مصطفى عبدالله، والذي أوضحت إشارته أنه أحد المهرة في مجال ميكانيكا السيارات، وأكد من خلال حوارنا معه احتجاجه الشديد على القوانين التي تقضي بعدم الترخيص للصم والبكم.. مؤكدا أنهم أناس أصحاء، وأنه إذا كانت إدارة المرور تمنح المعوقين بدنيا ترخيصا بقيادة السيارات، فلماذا لا تعاملهم بالمثل؟!..

الصمّ والبكم لديهم القدرة على تعلم القراءة والكتابة وكافة المهن والحرف وكذلك التعامل مع النوعيات المختلفة من البشر

أما عن الحب في حياتهم فلهم قصص وحكايات ومغامرات مثيرة يموج بها عالمهم الصامت، ويروي طارق فتحي أحد أبناء الصمت إحدى هذه القصص قائلا: داخل الرابطة التقيت بخطيبتي "منى" منذ خمس سنوات جمع الحب بيننا، ويعرف قصتنا جميع أبناء الرابطة بلا استثناء، وهي قصة مليئة بالكفاح والدموع والتضحيات، فعندما التقيت بها عرفت على يديها معنى كلمة الحب؛ إلا أن ظروفنا الاقتصادية وقفت حائلا دون إتمام قصتنا الجميلة، إلا أنها وأسرتها تتفهمان ظروفي، فقد رفضت من قبل الارتباط بفتاة طبيعية؛ لأنها لم تتفهمني ولم تمنحني الحب الذي عرفته الآن، كما أن الخرساء هي أقدر إنسانة على تفهم من يشاركها المشكلة نفسها؛ وذلك لأن هناك لغة واحدة مشتركة تجمعنا.

وعن مدى تناول السينما المصرية لمشاكلهم وهموهم يقول فتحي السمري أحد أعضاء الرابطة: إن السينما المصرية لم تهتم كثيرا بهمومنا ومشاكلنا، ونادرا ما تناولت حياة الصم والبكم في أعمالها، ولكن هناك من بين هذه الأفلام فيلم "الصرخة" للفنان نور الشريف ومعالي زايد، وقد تناول هذا الفيلم إحدى جوانب حياة الصمت باعتبار أن الصم والبكم هم أناس مسالمون، كما أوضح الفيلم أن ما نعانيه من إعاقة لا يمنعنا من العمل والكسب وممارسة كافة أنشطة الحياة؛ لأننا لا نعاني من أية إعاقات ذهنية أو بدنية.

كما أن الصم والبكم لديهم القدرة على تعلم القراءة والكتابة وكافة المهن والحرف، وكذلك التعامل مع النوعيات المختلفة من البشر، وهذا ما رواه الفيلم عن أهمية وجود المترجمين في حياة الصم والبكم، خاصة داخل أقسام الشرطة والمحاكم لترجمة إشاراتهم وأقوالهم، ويعيب على الفيلم الروح الانتقامية التي صدرها مخرجه لنور الشريف وأصدقائه الصم والبكم؛ لأن هذه الروح الانتقامية التي صورهم فيها تخلق نوعا من العداء في مواجهتهم من قبل المجتمع وتصورهم بأنهم أناس أشرار.

وعبر الدكتور شريف حسان عن وجهة نظر علم الاجتماع والدراسات الاجتماعية حول قضايا ومشاكل الصم والبكم فقال: إننا في المجتمعات النامية مازلنا لا نولي عناية كبيرة لواقع الصم والبكم والمشاكل التي يتعرضون لها في حياتهم وقد يؤدي ذلك إلى انعزالهم عن المجتمع وانفصالهم عنه تماما مما يسبب خللا في تركيبة المجتمع والتواصل بين الناس؛ ولذلك لابد أن يكون هناك من يفهم لغة الإشارة في كل الأماكن الحيوية التي يتردد عليها الناس والتي قد يجد بعض الصم والبكم صعوبة في التواصل مثل المحلات وأقسام الشرطة والمستشفيات والمصالح الحكومية وفي كل مكان حتى يتمكن الصم والبكم من التفاهم مع الآخرين بسهولة.

وهناك أجهزة حديثة تم اختراعها تعمل بطريقة آلية تساهم في ترجمة الإشارات إلى لغة وتحويل اللغة إلى إشارات حتى يمكن للصم والبكم أن يجدوا أنفسهم ويعبروا عن ذاتهم.

وأما عن الحياة النفسية التي يعيشها الصم والبكم يحدثنا الدكتور عاطف الدمنهوري أستاذ علم النفس بجامعة طنطا سابقا عن خبرته في هذا المجال فيقول: يشعر الصم والبكم أنهم منبوذون من المجتمع الذي لا يساعدهم في التقارب والتفاهم والتواصل معا.

21