الصناديق السيادية أداة للحفاظ على المصالح السياسية قبل الاقتصادية

مصر تؤسس صندوقها السيادي الأول للجم غضب الشعب المستاء من الوضع الاقتصادي، وغموض بشأن تمويل الصندوق.
الاثنين 2018/07/30
توفير القوت أولا

القاهرة - توصف صناديق الثروة السيادية بأنها نموذج سياسي بذراع القوة الاقتصادية الناعمة، من خلالها تعزز مكانتها الإقليمية عن طريق تلك الصناديق التي تحتاج في تركيزها إلى توافر المليارات من الدولارات.

وتعرف صناديق الثروة السيادية بأنها صناديق استثمار تمتلكها الحكومات وتشمل الاستثمار في الأصول المالية الأجنبية، وفق صندوق النقد الدولي. وتطمح العديد من الدول عبر هذه الصناديق إلى مدّ جسور التقارب السياسي مع الدول الكبرى خارجيا، أما داخليا فهي تبحث عن كسب الرضا الشعبي للمواطنين، إذ تسمح لها الصناديق السيادية بتعزيز استقرارها السياسي الذي يعد الاقتصاد أهم لبناته، لذلك تحولت إلى أداة للحفاظ على المصالح السياسية قبل الاقتصادية.

تأثير سياسي

تقوم فكرة الصناديق على الرغبة في المحافظة على حقوق الأجيال المقبلة من تغوّل الأجيال الحالية على ثروات البلاد، وتنشد تحقيق مبادئ الاستقرار من باب العدالة الاجتماعية، ويتم تأسيسها وتكوين رأسمالها من فوائض الثروات إيثارا لحقوق الأجيال المقبلة. وبدأ نجمها يلمع مع تزايد تشابك العلاقات الدولية، والتأثير القوي للعامل الاقتصادي على مسارات وتوجهات السياسة.

وكان العام 2006 نقطة الانطلاق الحقيقية للصناديق السيادية، بعد انتفاضة الكونغرس الأميركي ضد إعلان شركة موانئ دبي العالمية عن صفقة شراء عمليات إدارة الموانئ في ست محطات بحرية كبرى في الولايات المتحدة، وسرعان ما أدى ذلك إلى نقاش واسع بشأن أدوار ومسؤوليات هيئات الاستثمار السيادية التي تمتلك تلك الصناديق، ومدى تأثيرها على القرارات السياسية.

ورفض الكونغرس الأميركي في حينه الصفقة، وغض الطرف عن أن نفط وغاز الخليج العربي لعبا دورا مهما في تشييد أبراج “مانهاتن” التي تنطلق منها الحرب الاقتصادية لتكسير العظام السياسية لأي نظام أو قوة إقليمية منافسة تستهدفها واشنطن، وباتت حركة أموال صناديق الثروة السيادية التي تبحث عن اقتناص الفرص تحت المجهر، وأصبحت الأبعاد السياسية لها محل مراقبة دقيقة.

حجم الصندوق لا ينبئ بأنه صندوق صاعد ينافس الصناديق العالمية، إذ يصعب على الحقيبة الفارغة أن تواجه عمالقة هذا المجال

وأفردت صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” تقريرا حمل عنوان “الأمن أم التجارة في الموانئ الأميركية”، ولفتت في مستهل التقرير إلى أن “العالم لم يعتد أن يرى الأميركيين يتعاملون مع الاستثمارات الأجنبية في بلادهم بقدر كبير من الشكوك”، في إشارة واضحة إلى المضامين السياسية التي تحملها الصناديق السيادية، صحيح أن الاقتصاد الأميركي يعتمد بشكل أساسي على تدفق رؤوس الأموال الأجنبية كي يحافظ على قوة الدفع لديه، لكن رغم ذلك شاهدنا معركة سياسية عنيفة بين الدوائر السياسية في واشنطن بشأن صفقة انتقال إدارة ستة موانئ أميركية إلى شركة إماراتية، وهي مجموعة موانئ دبي العالمية.

وتفجّر جدل كبير بعد نجاح موانئ دبي في التوصل إلى اتفاق لشراء شركة “بي.أند.أو” البريطانية لإدارة الموانئ وهي الشركة التي تدير موانئ في 16 دولة منها ستة موانئ في الولايات المتحدة.

وشهدت دوائر صناعة القرار الأميركية انقساما حادا بشأن القضية، وكان الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش ومعه مسؤولو إدارته يؤيدون الصفقة باعتبارها لا تشكل تهديدا للأمن القومي الأميركي، لكن في الوقت نفسه فإن رفضها يهدد مصداقية الولايات المتحدة، لأن الموانئ كانت خاضعة لإدارة شركة بريطانية ثم ستنتقل إلى إدارة شركة إماراتية.

محمد معيط: الخزانة العامة للدولة تدفع 56 مليون دولار لبدء نشاط الصندوق
محمد معيط: الخزانة العامة للدولة تدفع 56 مليون دولار لبدء نشاط الصندوق

وتجدر الإشارة إلى أنه رغم الفجوة السياسية بين واشنطن وبكين بسبب الحرب التجارية التي أشعل فتيلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلا أن الصين لا تزال أكبر المشترين لسندات الخزانة الأميركية من خلال صناديقها السيادية، وبل ومن أكبر دائنيها، الأمر الذي يعقد طبيعة عمل هذه الصناديق، ويجعل منها قوة سياسية ضاغطة.

 أما الدول العربية فتملك نحو 12 صندوقا سياديا، وفق تقرير منتدى الصناديق السيادية العالمي، منها تسعة صناديق في الخليج العربي، وتحتل الإمارات المرتبة الأولى من حيث عدد الصناديق بنحو أربعة صناديق، وقد وفرت لحكومتها مرونة كبيرة للتحرك في قضايا إقليمية كثيرة، عبر قوتها الاقتصادية التي لا تخلو من أهداف سياسية، بينها الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين، اللذين تعتبرهما الإمارات من أولويات سياستها الخارجية.

دفع التواجد القوي للصناديق وما يمكن أن تلعبه من أدوار سياسية بصور وأشكال مختلفة، مصر إلى دخول منتدى صناديق الثروة السيادية العالمي، بعد أن ظلت خارجه لفترة طويلة، وأرادت  تعزيز  حضورها السياسي من باب الصندوق السيادي المصري الذي وافق عليه البرلمان المصري قبل أيام.

تبدو الخطوة طرحا ليبراليا ضمن حزمة الإصلاحات التي تنفذها القاهرة لمسايرة المنظومة العالمية، ومحاولة فتح فرص كبيرة للمزيد من توطيد علاقاتها بدول العالم، والبحث عن تواجد سياسي أكثر فاعلية من خلال ذراع اقتصادية واعدة، تتمثل في الصندوق السيادي.

لكن عند تتبع خطوات تأسيس الصندوق فإن ذلك يوحي بأنه وجاهة اقتصادية أكثر منه أداة من أدوات السياسة الخارجية، حيث أن حجم الصندوق لا ينبئ بأنه سيكون صندوقا صاعدا ينافس 61 صندوقا عالميا، إذ يصعب على الحقيبة الفارغة أن تواجه عمالقة هذا المجال.

التجربة المصرية

تنطبق على فكرة تدشين الصندوق المصري مقولة بنيامين فرانكلين، وهو من أهم مؤسسي الولايات المتحدة، “إذا كانت لدي بقرة وخروف بادرني الناس بالتحية”، في إشارة واضحة إلى أن القوة الاقتصادية تمنح بالضرورة قوة معنوية وسياسية، والعكس صحيح.

في معظم التجارب العالمية تكون اكتشافات النفط والغاز حافزا على تدشين هذه الصناديق، وفي الحالة المصرية لم تعلن صراحة عن تجنيب جزء من حصيلة إنتاج حقل ظهر الذي تم اكتشافه بالمياه الإقليمية لمصر في البحر المتوسط منذ عامين، ويعد ضمن أكبر 10 حقول للغاز على مستوى العالم.

وقد لاقت فكرة تدشين الصندوق قبولا كبيرا في بداية طرحها حيث تزامنت مع دخول حقل ظهر للغاز مراحل متقدمة من الإنتاج، وبالتالي سوف تسعى القاهرة لحفظ حقوق الأجيال المقبلة في هذا الاكتشاف الضخم، لكن عدم وضوح مصادر تمويل الصندوق بعد عملية تدشينه أحاطه بمجموعة كبيرة من التساؤلات.

وبدأ البعض من الخبراء يثيرون الشكوك حول مصادر التمويل، جراء عدم الوضوح السياسي والغموض الاقتصادي المحيط به، فالقاهرة لم توضح مساعي هذه الخطوة، ولم تقدم شرحا وافيا لمصيرها، واكتفت بالإعلان عن تدشينها.

ويري مصطفى كامل السيد، الأستاذ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن تصريحات المسؤولين حول تمويل الصندوق لمشروعات قومية تفتح الباب أمام استخدام أمواله في مشروعات البنى الأساسية في العاصمة الإدارية الجديدة أو مدينة العالمين الجديدة، بمعنى أن يحمل أهدافا سياسية داخلية لن تتجاوز حدود الدولة المصرية في الوقت الراهن على الأقل.

مصر

ولعل طلب هالة السعيد، وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، مساعدة البنك الدولي لمصر في تأسيس الصندوق الجديد خلال زيارتها لواشنطن مؤخرا يزيد من حالة الضبابية الاقتصادية والسياسية لهذا المشروع لأن البنك الدولي لا يمول مثل هذه الصناديق.

وقال عمرو حسنين الرئيس التنفيذي لمؤسسة “ميريس” للتصنيف الائتماني، لـ“العرب”، إن البنك الدولي يمول دراسات الجدوى الفنية للمشروعات، لكن لا يشارك في رؤوس أموال صناديق الثروة السيادية.

وتؤكد المؤشرات الحالية أن رؤية عمل الصندوق الجديد لم تتبلور في صورتها النهائية، فالصناديق السيادية لا تعرف سوى لغة الدولار الأميركي كعملة أساسية لرأس مالها، أما الصندوق المصري فعملته بالجنيه المصري، ما يضعه في قائمة صناديق الاستثمار المغلقة وليست الصناديق السيادية.

وأعلنت القاهرة أن رأس المال الصندوق المرخص به يصل إلى نحو 200 مليار جنيه والتي تعادل نحو 11 مليار دولار، والجزء المدفوع منه خلال ثلاث سنوات يقدر بخمسة مليارات جنيه، بما يعادل 280 مليون دولار، ويصل المبلغ الفعلي الذي سيبدأ الصندوق به مزاولة نشاطه نحو مليار جنيه، أي نحو 56 مليون دولار وهو مبلغ ضئيل، يخرجه من سباق المنافس عالميا، ويقلص فرص تواجد البلد على صعيد سياسي، لأن القوة الناعمة للصناديق تتطلب وفرة مالية كبيرة، تمكنها من اختراق الأسواق العالمية، في صورها المختلفة.

مصطفى كامل السيد: مخاوف من استخدام أموال الصندوق لتمويل العاصمة الجديدة
مصطفى كامل السيد: مخاوف من استخدام أموال الصندوق لتمويل العاصمة الجديدة

وأكد محمد معيط وزير المالية لـ”العرب” أن مبلغ المليار جنيه الأولى تتحملها الخزانة العامة للدولة، فيما يتم عقد أول اجتماع لمجلس إدارة الصندوق خلال أيام.

وأوضح أن أصول الصندوق تتكون من الأراضي والأسهم والسندات وجميع الأصول التي ترى الدولة أنها في حاجة إلى تحقيق نمو مستدام، ويتولى الصندوق إدارتها باحترافية كبيرة لتعظيم العائد عليها.

ويتزامن إطلاق الصندوق الجديد مع الإعلان عن بدء طرح أسهم الشركات الحكومية في البورصة، ضمن برنامج يستهدف جمع نحو 80 مليار جنيه، ما يعادل 4.5 مليار دولار لأسهم نحو 23 شركة. وزاد هذا التزامن من الغموض حول كيفية تمويل الصندوق، فهل يتم طرح الأصول الحكومية الرابحة في سوق المال، وتحويل الأصول الخاسرة للصندوق الجديد؟

في هذه الأثناء خفت صوت صندوق الاستثمار المصري السعودي الذي تم الإعلان عنه خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي إلى القاهرة مؤخرا، برأس مال يقدّر بـ16 مليار دولار. وجاءت الخطوة متوافقة مع تطور العلاقات بين مصر والسعودية، ولا يعني عدم الشروع في الاستفادة من الصندوق، أن هناك أزمات سياسية خفية بينهما، لكن خبراء يرون أن ذلك يكشف عن وجود مشكلات اقتصادية لم يتمكن الطرفان من تسويتها بعد.

ويستهدف هذا الصندوق السيادي تعزيز الاستثمارات في منطقة سيناء، بعد أن تزامن مع تدشينه ضم نحو ألف كيلومتر من منطقة جنوب سيناء إلى مشروع “نيوم” السعودي، بما يعزز من تشابك العلاقات الاستراتيجية بين البلدين إضافة إلى تعزيز العلاقات مع الأردن في تلك المنطقة. 

محاولات سابقة

عمرو حسنين: البنك الدولي لا يموّل الصناديق السيادية ومصر تريد مساعدة فنية
عمرو حسنين: البنك الدولي لا يموّل الصناديق السيادية ومصر تريد مساعدة فنية

مرّ تأسيس صندوق الثروة السيادي المصري بمراحل مختلفة، تحت تأثير الضغوط السياسية بين رفضها أو القبول بها، وقد أعلن محمود محيي الدين وزير الاستثمار الأسبق عام 2010، ويشغل حاليا منصب نائب رئيس البنك الدولي، إطلاق مبادرة صكوك الملكية بهدف تطوير شركات قطاع الأعمال العام عن طريق طرح صكوك يشتريها الأفراد.

وبموجب حصيلتها يتم تطوير الشركات الخاسرة ويصبح المواطنون ملاّكا للمال العام، وقد تم الترويج حينها إلى أن الرئيس الأسبق حسني مبارك يريد تصفية القطاع العام، والحصول على عوائد مالية تنقذ نظامه من الانهيار السياسي.

وتم وأد الفكرة، لكن عاد المصريون وقبلوا بها من خلال طرح أسهم الشركات في البورصة، وبدأ الأفراد والمؤسسات المالية يترقبون توقيت طرحها بهدف المضاربة عليها.

وجاءت المرحلة الثانية عندما أعلن منير فخري عبدالنور خلال توليه وزارة التجارة والصناعة، عقب ثورة 30 يونيو 2013، التي أطاحت بحكم الإخوان، عن مبادرة لتأسيس صندوق سيادي لإدارة أصول الشركات الحكومية، لكن المبادرة لم تكتمل.

وخلال المرحلة الثالثة أعلن وزير التخطيط السابق أشرف العربي عن تأسيس صندوق “أملاك” لإعادة هيكلة وتشغيل الشركات الحكومية الخاسرة، وتم وأد الفكرة، إلى أن تم مؤخرا الإعلان عن الصندوق السيادي المصري، وهي المرحلة الرابعة.

أهم الصناديق العالمية

بلغ عدد صناديق الثروة السيادية عند نهاية 2017، 61 صندوقا، بإجمالي أصول 7 تريليونات دولار، وقامت بتنفيذ نحو 303 صفقات بإجمالي 52.5 مليار دولار، بحسب بيانات منتدى صناديق الثروة السيادية، ومن أشهر هذه الصناديق.

◄ الصندوق السيادي للنرويج ويتصدر المركز الأول عالميا بأصول قيمتها 824.9 مليار دولار.

◄ صندوق الاستثمار لحكومة أبوظبي (دولة الإمارات) ويتصدر المركز الأول عربيا، والثاني عالميا بأصول تبلغ قيمتها 773 مليار دولار، ومعظمها من عوائد تصدير النفط، وبدأ نشاطه عام 1976.

◄ الصندوق السيادي الصيني في المركز الثالث عالميا بأصول 746.7 مليار دولار.

◄ صندوق الأصول الأجنبية لمؤسسة النقد العربي السعودي “ساما”، الرابع عالميا بأصول 632.3 مليار دولار، وتخطط المملكة أن يدر الصندوق السيادي السعودي استثمارات بأكثر من تريليوني دولار مستقبلا ليلعب دورا رئيسيا في تحريك الاقتصاد.

◄ صندوق الهيئة العامة للاستثمار الكويتي الخامس عالميا بأصول قدرها 592 مليار دولار.

◄ الصندوق السيادي لإمارة دبي المركز الثاني عشر بأصول بلغت قيمتها 183 مليار دولار.

◄ صندوق الرفاه الوطني الروسي، في المركز الثامن عشر عالميا بأصول قدرها 65.7 مليار دولار، وبدأ نشاطه عام 2008.

◄ صندوق إيران الحكومي ويقع في المركز التاسع عشر بأصول قيمتها 62 مليار دولار.

◄ صندوق ليبيا السيادي في المركز العشرين عالميا وأصوله 66 مليار دولار رغم الأحداث التي تشهدها البلاد منذ سنوات.

◄ الصندوق السيادي للجزائر في المركز الحادي والعشرين عالميا بأصول بلغت 50 مليار دولار.

◄ الصندوق السيادي لسلطنة عمان في المرتبة السادسة والعشرين بأصول 34 مليار دولار.

◄ الصندوق السيادي العراقي في المركز 60 عالميا بأصول بلغت نحو 0.9 مليار دولار.

◄ الصندوق السيادي الفلسطيني المركز 61 بأصول بلغت نحو 0.8 مليار دولار.

 

6