الصناعة الحربية.. رهان السعودية لفك الارتهان للأسلحة الأجنبية

تصنيع السلاح للحد من التوريد وخلق ديناميكية اقتصادية، ومشروع طموح للتخلص من التبعية للولايات المتحدة وأوروبا.
السبت 2018/11/17
رهانات سعودية لتركيز صناعة حربية محلية

الحفاظ على الأمن القومي الداخلي في ظل وضع إقليمي معقّد تلعب فيه إيران العديد من الأدوار في منطقة الشرق الأوسط، بات من أهمّ التحديات التي تحكم سياسات المملكة العربية السعودية الساعية لمزيد دعم أمنها وأمن المنطقة، لا فقط عبر الاقتصار على توريد الأسلحة من الدول الكبرى كالولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو روسيا، بل بتركيز استراتيجيات تمكنها من إرساء الأسس لصناعة دفاعية محلية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الأسلحة وخفض المعاملات الموجهة لتوريد الأسلحة من الخارج.

الرياض - تسعى المملكة العربية السعودية بالارتكاز على “رؤية 2030” التنموية إلى تنويع اقتصادها تنفيذا لتصورات واستراتيجيات تخلّص البلد من الاعتماد بشكل كبير على إيرادات النفط، ويأتي ذلك تحت يافطة “اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي ووطن طموح”.

ولا تقتصر تصورات رؤية 2030 على الإصلاحات الاجتماعية والخطط الاستثمارية لتجاوز مرحلة الاعتماد المطلق على النفط لتطوير الصناعة السعودية في مجالات أوسع وأكبر من ذلك منظومة الدفاع وصناعة الأسلحة، وهي أكثر المجالات التي جعلت السعودية شديدة الارتباط بالغرب في أحد أهم المجالات إنفاقا. وكل هذه التصورات عبّر عنها  ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بتساؤله في حديث لوكالة بلومبرغ: هل يعقل أننا ثالث أكبر دولة في الإنفاق العسكري ولا نملك صناعة عسكرية؟

ولئن يربط العديد من المحللين هذا التوجه السعودي بما تتعرض له في الأشهر الأخيرة من ضغوط رافقت حادثة مقتل الصحافي جمال خاشقجي في تركيا خاصة بعدما طلبت بلدان مثل ألمانيا وقف بيع الأسلحة للسعودية، إلا أن العديد من المراقبين يؤكدون أن السعودية مضت في هذا التوجه تحديدا منذ عام 2015 عقب الانطلاق في تجسيم رؤية 2030 الاقتصادية.

وبغض النظر عن توجه السعودية لتخفيف القيود الدولية عليها في علاقة بتوريد الأسلحة، فإن المملكة مصمّمة على تركيز صناعة حربية محلية تكون عبر عقد شراكات واتفاقيات مع شركات دولية لتطوير الصناعات الحربية على أرض المملكة.

الأمير محمد بن سلمان: هل يعقل أننا ثالث أكبر دولة في الإنفاق العسكري ولا نملك صناعة عسكرية
الأمير محمد بن سلمان: هل يعقل أننا ثالث أكبر دولة في الإنفاق العسكري ولا نملك صناعة عسكرية

وهذه السياسة السعودية الجديدة لم تملها، وفق العديد من المراقبين، التطورات الأخيرة بل كانت نتاجا لإدراك المملكة بوجودها في بيئة عدائية تستوجب التسلّح لدرء كل مخاطر التطورات الإقليمية في المنطقة كانتشار الجماعات الإرهابية أو خطر إيران المتربصة بالمنطقة والمتغلغلة منذ سنوات في سياسات بعض الدول العربية كسوريا والعراق واليمن.

وتخطط الرياض لإنشاء صناعة محلية للسلاح ستوفر ما بين 60 و80 مليار دولار من الاعتمادات المرصودة لتوفير الأسلحة من الخارج.

هذه السياسة الاقتصادية الجديدة للمملكة كانت محل متابعة دولية ومن ذلك ما أكده تقرير أعده “مركز ستراتفور للدراسات الأمنية والاستراتيجية” الأميركي عن مساعي السعودية لخفض اعتمادها على واردات السلاح من خلال المضي في تركيز صناعة دفاعية خاصة بها.

وأكد التقرير أن الرياض درست تنويع مصادر سلاحها وبحثت عن مورّدين في دول مثل روسيا والصين، إلا أنه تساءل عن قدرة السعودية على تحقيق حلمها بالقول “في الوقت الذي سيحرز فيه السعوديون تقدما في بناء صناعة دفاعية توفر فوائد اقتصادية، فإنهم سيظلون يعتمدون بصورة كبيرة على شراكتهم مع الولايات المتحدة”.

ويقول معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، إنه خلال الفترة ما بين عامي 2013 و2017 زاد عدد أنظمة الأسلحة التي تشتريها الحكومة السعودية بنسبة 255 بالمئة بالمقارنة مع ما حصلت عليه في الفترة ما بين عامي 2008 و2012، مما يجعلها تُصنف وراء الهند مباشرة بين مستوردي الأسلحة العالميين.

وتسعى الرياض للتوقي من المخاطر عبر محاولات كف الاعتماد على الغير في ما يتعلق بصادرات السلاح، والتي من شأنها أن تعرضها لضغط سياسي، ولذلك عملت على بناء قدرات صناعتها الدفاعية.

وإلى جانب تخفيض الاعتماد على مصادر السلاح الأجنبية، يمكن أيضا أن تلعب صناعة دفاع محلية ناضجة دورا رئيسيا في تنويع الاقتصاد السعودي الذي تعمل فيه الرياض على خفض اعتمادها المفرط على صادرات الطاقة.

ويرى مراقبون أنه إذا ما تم بناء قطاع الدفاع السعودي بصورة ناجحة، فيمكنه أن يوفر وظائف لعدد كبير من المواطنين، كما يمكنه أن يساعد في مواجهة المخاوف المتعلقة بالبطالة المتزايدة.

وتشير التقديرات إلى أن اتفاقية توطين صناعة الأسلحة ستوفر 50 بالمئة من مشتريات السعودية من الأسلحة في عام 2030.

قاعدة لصناعة الدفاع

يشير مراقبون إلى أن التطلعات السعودية الخاصة بالصناعة الحربية طموحة، فالرياض ترغب عبر الاستراتيجية الاقتصادية لرؤية 2030 الشاملة، في تقديم إنتاج محلي لما لا يقل عن نصف المعدات التي ستحتاجها للاستخدام الأمني والعسكري بحلول 2030.

وللمُضي قدما نحو تحقيق هذا الهدف، فإن السعودية تصرّ خلال التفاوض على عقود الأسلحة الكبرى بصفة متزايدة على أن يكون تصنيع المكونات والتجميع النهائي داخل المملكة.

وأجرت الرياض إصلاحات على بعض أجزاء من الهيكل الحكومي للإشراف على نمو صناعتها الدفاعية. ومن ذلك، تم إنشاء الهيئة العامة للصناعات العسكرية في عام 2017 لتنسيق شراء وأبحاث وتطوير الأسلحة مع التأكيد على المصادر المحلية.

وفي نفس العام، تم تأسيس الشركة السعودية للصناعات العسكرية، وهي شركة دفاعية تملكها الدولة وتُركز على أنظمة الأسلحة البرية والجوية، والإلكترونيات الدفاعية والصواريخ، وجميع المجالات التي تحتاجها السعودية بصورة كبيرة. ويعد الهدف الأكبر للشركة السعودية للصناعات العسكرية خلق أكثر من أربعين ألف وظيفة مباشرة و100 ألف وظيفة غير مباشرة في البلاد بحلول 2030.

وتأمل السعودية بحلول هذا العام في أن تُضيف 3.7 مليار دولار أميركي للناتج المحلي الإجمالي السنوي للملكة، والذي وصل إلى 684 مليار دولار العام الماضي.

وأحرزت الرياض تقدما ملموسا في بناء قاعدتها الصناعية الدفاعية. وتُوظف الشركات الدفاعية الغربية الكبرى الآلاف من السعوديين في مصانعها في السعودية. وثُلثا العمال الذين توظفهم شركة “بي.إيه.إيسيستمز” لتجميع طائرات هاواك التدريبية التي تبيعها للرياض، هم مواطنون سعوديون.

وفي شهر مارس من عام 2018، دشّنت شركة “بوينغ” والشركة السعودية للصناعات العسكرية مشروعا مشتركا بهدف إضفاء الطابع المحلي على 55 بالمئة من أعمال الصيانة والخدمة التي تقوم بها “بوينغ” للطائرات التي تبيعها للملكة بحلول 2030. وطبقا لبوينغ، فإن هذا المشروع من شأنه أن يخلق ستة آلاف وظيفة أو فرص تدريب للشباب السعوديين.

تحديات وصعوبات

Thumbnail

هذا الطموح السعودي لتركيز صناعة دفاعية يبقى وفق المراقبين أمرا ليس بالهيّن. متسائلين عن قدرة الرياض على التنفيذ الفعال لمثل هذه الصفقات والمشاريع.

وأدت الصراعات بين الشركات الدفاعية للإيفاء بالشروط في إطار الاتفاقيات العالقة التي تفوض مصدر الخدمات محليا والمواد الخام إلى تأخيرات في العقود. كما أثبتت أيضا وجود صعوبة خاصة للشركات الدفاعية التي تتمتع بمصانع راسخة وعمال تصنيع في الولايات المتحدة وأوروبا لإنشاء خطوط تجميع في السعودية رغم السهولة النسبية للتجميع بالمقارنة مع التصنيع الكامل.

ويعرّج تقرير مركز ستراتفور على وجود مشكلة وقعت فيها الشركات الدفاعية وتتمثل في العثور على عدد مناسب من السعوديين الذين يتمتعون بكل من المهارات التقنية الخاصة والرغبة في العمل على أرضية المصنع. ويشير إلى أن أوجه قصور نظام التعليم السعودي أجبر الشركات الدفاعية على القيام بتدريب موظفيها، كما يقدم اختيار من سيترأس الشركة السعودية للصناعات العسكرية نقطة توضيحية لقضية أكبر. حيث لم يتول أي سعودي منصب الرئيس التنفيذي للشركة الذي كان من نصيب الألماني أندرياسشوير .

 وتعكف السعودية أيضا على خيار تنويع مشتريات أسلحتها بعيدا عن الولايات المتحدة ودول أوروبا، والتي تُلبي حاليا الجزء الأكبر من الطلب السعودي.

ولا يُتيح هذا النهج للمملكة فقط خفض اعتمادها على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بل قد يمنح الرياض أيضا القدرة على الظفر بعقود تكنولوجية كثيرة. فالسعودية بدأت،في مفاوضات مع روسيا بشأن شراء نظام الدفاع الجوي الصاروخي أس400- على أمل أن تعرض موسكو صفقة أفضل من العروض الأميركية المتعلقة بنظام ثاد الدفاعي الجوي المضاد للصواريخ. واشترت السعودية عددا كبيرا من الطائرات المسيّرة المسلحة من الصين،

وفي حين توجد فوائد محتملة في تنويع مصادر السلاح، فإن هناك حدودا أيضا. فروسيا أو الصين لا تعدان في موقع يمكنهما من أن تحلا محل الولايات المتحدة كضامن قوي وحالي للأمن السعودي ضد إيران. والأكثر أهمية من ذلك، أن معدات الجيش السعودي تعتبر أسلحة غربية، والقيام بتحويل شامل نحو الأسلحة غير الغربية من شأنه أن يخلق مشاكل تدريبية ولوجيستية. ويرجح مراقبون أن صناعة الدفاع السعودية لن تتطور بصورة كافية لتعتمد بصورة كاملة على مصادرها في الأسلحة قبل حلول 2030.

6