الصندوق الأسود الناجي الوحيد من الكوارث والأزمات

السبت 2015/11/07
علبة سرية تتجادل حول نتائج قراءاتها الدول العظمى

بروكسل - يثير البحث في قراءات الصندوقين الأسودين للطائرة الروسية المنكوبة التي وقعت في صحراء سيناء، الكثير من الترقب لدى الجميع، فالكل يريد معرفة ما الذي حدث وهل تم إسقاط الطائرة بصاروخ أرض ـ جو، أم أن هناك قنبلة ما على سطحها؟ أم هو انتحاري فجّر نفسه، أو لعله مجرد خلل فني أصاب أجهزة الطائرة فأدى إلى سقوطها.

كل ذلك عادة ما يقول القول الفصل فيه، الصندوق الأسود للطائرة، فهو غالباً ما يكونُ الناجي الوحيد من أيِّ حادثٍ مُروِّع، وهو الراكبُ الوحيدُ أيضاً الذي يحجزُ لنفسِهِ مكانَينِ في مقدِّمةِ المركبِ ونهايتِهِ ليكونَ شاهداً أخيراً على المأساةِ التي يذهبُ ضحيَّتُها آخرون، ففي حوادثِ الطيران التي تؤدِّي في غالب الأحايين إلى فقدان أسباب الحياةِ لكلِّ المُسافرين يكونُ هوَ بهيئتِهِ الصلبةِ الحديدية مُتماسكاً مُحتَفِظاً بالروايةِ المفقودة للحظات الأخيرة.

يعرفُهُ الناسُ والخبراء بالصندوق الأسود رغمَ أنَّ لونهُ برتقالي، تُلزِمُ جميعُ قوانين الطيران الشركات العاملة في حقلِ النقل الجوِّي أن تحتفظَ بهِ بحيثُ يخضَعُ بشكلٍ دائمٍ للصيانةِ والتفقُّد ليكونَ على أُهبةِ الاستعداد لحظةَ الحاجةِ إليه ليُقدِّمَ شهادةً حيَّةً لا يستطيعُ أحدُ الشاهدين على السقوطِ المفاجئ من ارتفاعاتٍ شاهقة تقديمها بسبب الموت.

اللحظات الأخيرة

القصَّةُ بدأت مع ستينات القرن الماضي مع انتشارِ ظاهرةِ غرقِ السُفُنِ والمراكبِ التي تحملُ مسافرين وبضائع في عرض البحار والمحيطات، فكانت الحاجةُ لفهمِ الأسباب التي أدَّت إلى الغرق، ولأنَّ الحاجةُ أمُّ الاختراعَ فكَّرَ الإنسانُ بآليةٍ تُقاوِمُ الكوارث وتنتصرُ عليها بتسجيل اللحظات الأخيرة ونقلِها إلى الشاهدين الآخرين على الحدث، من هذا التفصيل بدأت الجهود تنصبُّ لإيجادِ طريقةٍ لتحقيق القدرة على مقاومةِ الغرق من خلال التسجيل التوثيقي للحظات الأخيرة، ومع نجاح الإنسان في الوصول إلى تلك الفكرة قام على عادتِهِ بالتطوير بالإضافةِ عليها لتكونَ قادرةً على البقاء على قيد الحياة لحظةَ السقوطِ من ارتفاعاتٍ عاليةٍ تشوبُها الانفجارات والتشظِّي، فأوجَدَ الصندوق الأسود، لمعرفةِ اللحظات النهائية من زاويتين الأولى تكونُ في قُمرَةِ القيادة والثانية في آخر الطائرة. تلكما الزاويتان تُعطيان للمحققين القدرة على رسمِ الصورة الكاملة للمشهدِ الأخير بهدَفِ إعادةِ إخراجِه لتحديد الأسباب التي أدَّت إلى سقوطِ الطائرةِ أو حدوث الكارثة، نحنُ هنا أمام اختراعٍ عظيم استطاعَ في كثيرٍ من الأحيانِ فكَّ الشيفرات للحظاتٍ رسمَت مجرى التاريخ والحروب معاً كما حدثَ في تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر التي ضربت برجي التجارة في نيويورك الأميركية.

مطار تينيريفي (جزر الكناري): اصطدام طائرتين من طراز \'بوينج 747\': مقتل 385 شخصا

معلومات غير قابلة للنفي

كلُّ طائرةٍ يوجدُ بها صندوقان أسوَدان أحدُهُما يكون في المقدِّمة والآخر في المؤخِّرة، ويمتازان بآليةِ العمل المختلفة في الظاهر والمُتَّحِدَةِ في المُنتَج، فالأوَّلُ الذي يقعُ في قمرة القيادة تنحصِرُ مهمَتهُ في تسجيل البيانات الرقمية والقيَمِ الفيزيائية الخاصَّةِ بالطائرةِ والمتعلِّقةِ بالسرعةِ والاتجاهِ والأحوال الجويَّةِ ومدى جودةِ العمل في أجزاءِ الطائرة فضلاً عن اختزانِ الأوقاتِ بلحظاتِها الدقيقة، بينما يقومُ الثاني الواقِعِ في نهايةِ الطائرة على آليةٍ عملٍ تختزلُ الأصواتَ والمشاحنات وطلباتِ الاستنجاد والحوارات الدقيقة التي تحدُثُ في اللحظات الأخيرة التي غالباً ما تكون عصيبة.

في الأحوال العادية أو في تلك الرحلات التي تصلُ دونَ أيِّ اضطرابات فإنَّ الصندوق الأسود يبقى مُهملاً دون أيِّ حاجةٍ لمعرفةِ محتواه بينما يتَّخذُ أهميَّتهُ عند الكوارث حيثُ تعودُ بياناتهُ إلى صدارةِ المشهد، تماماً كأعداد الضحايا أو جغرافيا السقوط و ملابساتِها، وفي الصورةِ الواضحةِ أمامنا اليوم فإنَّهُ عند حدوث السقوطِ أو الغرق للناقلةِ الجويَّةِ أوالبحرية فإنَّ الصندوق الأسود بشقَّيهِ الأول والثاني يكونُ مجهَّزاً بإشعاراتٍ فوق صوتية ليتمكَّنَ الإنسان الباحث عنه من ملاحظةِ وجودِهِ أولاً بين الركام، ذلكَ الإشعارُ يُصدِر ذبذباتٍ تصل في ذروتِها العملية إلى 37.5 كيلوهرتز اهتزازاً في دائرةٍ تصلُ إلى ما يقارب 3500 متر في محيط الحادث على اليابسة أو البحر.

الصندوق الأسودُ بعد إيجادِهِ يخضعُ لعمليَّةِ مُطابَقةٍ بين القوالِبِ المتينةِ المصنوعةِ من موادٍ قويَّةٍ صلبةٍ مُقاوِمةٍ للانفجار والكوارث كالتيتانيوم مثلاً بعد إحاطتِهِ بمواد عازلة تؤكِّد قدرتَها على الصمود حتى إيجادِ الصندوق، وفي الأحوال العادية لا يستغرِقُ البحثُ عن الصندوق وإيجادِهِ إلا بضع ساعاتٍ إن كانت الظروف الجوية مناسبة للبحث بينما يأخُذُ أياماً عديدة كي يتم وضعُ اليد عليهِ كما في حادثةِ الطائرةِ الماليزية الشهيرة أو الطائرةِ الأثيوبية التي سقَطَت بعد إقلاعِها من بيروت في البحر الأبيض المتوسط، نحنُ هنا أمام حالة تخضَعُ للطقسِ والظروف دون تأثُرِ المحتوى الرقمي الذي يمتلكُ الصندوق الأسود القدرة على الاحتفاظِ به لمدة 30 يوماً تحت تأثيرِ الضغط في أعماقٍ كبيرةٍ في البحر.

المُطابقة تتمُّ بين طرفَي الصندوق حيثُ تخضَعُ الشيفرات الرقمية لتحليلٍ دقيق يُعطي في نهايتِهِ تصوُّراً واضحاً للأصوات التي ترسُمُ في نهايةِ المطاف المشهدَ الأخير بدقَّةٍ عاليةٍ لتكونَ القصَّةُ التي يتمُّ الحصولُ عليها من الصندوق الأسود غير قابلةٍ للنفي، وبالطبعِ لا بدَّ من الأخذِ بعينِ الاعتبار جودةَ المُنتَجِ وصناعته حيثُ تتراوحُ القيمةُ الشرائيةُ للصندوق الأسود بين 30 إلى 85 ألف دولار للقطعةِ الواحدة، هذا التفاوُتُ في الأسعار يُعطينا صورةً واضحةً عن مستوياتِ العملِ التي يُقدِّمُها هذا الاختراع وخدماته.

هناك مقاساتٌ عالميَّةٌ للصندوق الأسود بمَركَزيهِ الأمامي والخلفي حيث يبلغُ طولهُ 20 بوصة وعرضُهُ خمس بوصات وارتفاعهُ 7 بوصات، وضمن هذه المساحة هناك 17 نوعاً من المعلومات المختلفة التي يختزُنُها في حدِّهِ الأدنى بينما نجدهُ في حالات أخرى يختزنُ ما يقارب من 100 نوعٍ من المعلومات في وقتٍ واحد، وهذا بالطبع يعودُ إلى جودتِه، فتلك المقاسات مدروسةٌ بدقَّة حيثُ تتقدَّمُها إبرةٌ شبيهةٌ بالإبرةِ الموجودةِ في جهاز تخطيط القلب حيثُ تتركُ رسماً بيانياً على لوحٍ دقيق يُعطي المحققين الصورةَ النهائيةَ لما كانت عليهِ الناقلةُ قبلَ لحظةِ الانفجار أو الغرق.

حادثة مدينة شارخي دادري (الهند): اصطدام طائرتي \'بوينغ 747\' وطائرة من نوع \'ايلوشن ll-76 TD\': مقتل 349 شخصا

ديفيد وارين الأسترالي، الذي وُلِدَ عام 1925 وتوفِّي عام 2010 عن 85 عاماً، كان ذلكَ الرجل الذي أنهى دراستَهُ الأكاديمية من جامعةِ سيدني الأسترالية وبدأ التفكير بطريقةٍ مُختلفة عام 1953 عقِبَ مشاركَتِهِ بالتحقيقات الخاصَّةِ بحادثةِ تحطُّم طائرةُ كوميت التي كانت رقماً صعباً في النقل الجوي النَفَّاث الخاص بالرحلات التجارية، حيثُ أوحَت لهُ خيوطُ التحقيق بتسجيل أصوات الطيارين وقراءةِ عدَّادات المركبة في مراحلَ متفاوتة من رحلتِها، هذه الطريقةُ المنطقية بالتفكير التي اتّبَعها وارين أوصلتهُ إلى جهازٍ بحجمِ كف اليد يقومُ على اختزان الأصوات بطريقةٍ بدائية سُرعان ما رفضَتهُ هيئةُ الطيران المدني الأسترالية بعدَ أن رأت فيه جهازاً لا حاجةَ له، وبهذا القرار ظلَّ المشروعُ المؤجَّل لدى وارين طيَّ الكتمان وتحت ضغوطِ الظروف المحيطة حتى تبنَاهُ مسؤول الطيران البريطاني عام 1958 لتقومَ الهيئةُ الملكية في المملكة المتحدة بتوفير المال اللازم لوارين كي يتفرَّغَ لتطوير اختراعِهِ الجديد الذي ما لبِثَ أن صارَ ضرورةً في كلِّ رحلات الطيران حيثُ فرضتهُ هيئات النقل العالمية والمطارات على حدٍّ سواء، ولتكون أستراليا أول بلدٍ يسيرُ في هذا الاتجاه عام 1960.

لا يُمكِنُ الشك أنَّ هذا الجهاز بمراحلِهِ التي مرَّ بها وصولاً إلى صورتِهِ الحالية التي نعرِفُها به قد تركَ أثراً كبيراً في حلِّ الألغاز التي قد تستعصي على الفهم والتحليل، فآليةُ عملِهِ المزوَّد بها تُعطيهِ قدرةً هائلةً على تفكيك وتركيب المعلومات المُختَزَنةِ لديه ليضعَ بين أيدي الجمهور الروايةَ النهائيةَ لأيِّ حادثٍ يشهدهُ بوصفِهِ الناجي الوحيد الذي يتذكَّرُ كل التفاصيل حيثُ رآها من زوايا متعدِّدة.

الصندوق الأسود في الفضاء

مؤخراً بدأ البحثُ جديّاً بتزويد المركبات الفضائية التي لا يستقلُّها روَّاد فضاء بصندوقٍ أسود يقومُ بمهمَّةِ تسجيل الرحلات خارجَ مجال الجاذبيةِ الأرضية، حيثُ تقومُ مهمَّةُ الصندوق الأسود الفضائي على اختزان المعلومات وإعادةِ بثِّها عبر موجاتٍ يتمُّ استقبالُها في الكرةِ الأرضية عبرَ أجهزةٍ خاصَّةٍ يتمُّ من خلالِها التعاملُ مع تلك الذبذبات وترجمتُها لتكونَ رحلةُ المكُّوك أو المركبةُ الفضائيَةُ مرصودةً بالكامل، وجاءت هذه الفكرةُ بسبب قيامِ المنصَّات الرئيسيةِ بتدمير المركبة الفضائية بعد انتهاءِ مهمَّتِها كما حدَثَ مع المركبة اليابانية “إتش تي في” التي تمَّ إسقاطُها من مدارٍ جوِّي منخفِض للأرض في نقطةٍ بالمحيط الهادي بين ساحل تشيلي ونيوزيلاندا، والمفاجئُ في تلك الرحلةِ بعد التدمير أنَ الباحثين وجدوا الصندوق الأسود الفضائي على حالتِهِ الطبيعية بوزنِهِ الطبيعي الذي يصلُ إلى واحد كيلوغرام مع شكلهِ المخروطي ذي القطر الذي يصلُ إلى 30 سنتيمترا، هذه الحادثةُ فتحت آفاقاً جديدةً أمام علم الفضاء وتوظيف قدرات الصندوق الأسود في خدمةِ العلوم وليس فقط إعادةُ إنتاجِ الكوارثِ وتسجيلِها.

كينشاسا (جمهورية الكنغو الديمقراطية): مقتل مابين 225 و348 شخصا وإصابة 500 شخص آخرين

السياسة والتحولات

لا بد من القول هنا إن السياسة العالمية تحتوي صندوقاً أسود غيرَ قابلٍ لحل شيفراتِهِ لأنَ تلك الشيفرات تحدُثُ في غُرَفٍ سريَةٍ يتمُّ من خلالِها تحديدُ مصائر الشعوب ومستقبلِها، تمَّ خلال السنوات الماضية كشفُ الكثيرِ من الوثائقِ التاريخيةِ التي تُخبِرنا عن أسرار مراحلَ سابقةٍ نشهدُ نتائِجَها اليوم، ربَّما كانت اتفاقيةُ سايكس بيكو أحد تلك الأسرار التي كُشِفَت عقِبَ الثورة البلشفية الروسية وسقوط القيصرية، وفي الواقع الحالي تظهرُ وثائقُ ويكيليكس بوصفِها اللوحَ الرقمي الذي يكشِفُ ما يدورُ في الخفاء، ذلكَ الخفاءُ الذي يسعى مرتادوهُ دوماً لضبطِ أسرارِهِ وملاحقةِ عارفِيه وكاشفيه كما حدَثَ مع سنودن الأميركي.

وفي الثورات العربية يغدو الصندوق الأسود للأيام الأخيرة التي سبقَت سقوطَ أنظمةٍ في مصرَ وليبيا واليمن مثلاً حِكراً على شهودِ الزورِ في تلك القصور التي ما فتئَت تحاولُ إعادةَ إنتاجِ اللحظةِ من خلال الرجوعِ إلى أرشيفِها في صندوقِها الأسود الخاص للتعاملِ مع الأزمات المتلاحقة، وفي مقابلِ ذلكَ تبدو البلادُ الحُبلى بالمفاجآتِ دوماً كسوريا والعراق ولبنان وفلسطين مثلاً مخزناً حقيقياً للمعلومات التي لا يُسجِّلُها إلا صندوق السلطةِ الأسود، بينما تبقى الشعوبُ صورةً أخرى لتلك الشيفرات على أرض الواقع، واقعٌ يغدو فيه الصندوق الأسودُ البشريُّ هو الأساس في فهمِ ما حدَثَ وما قد يحدُث في قادِم الأيام.

صندوق أسود في الصحافة

مع بروزِ نجمِ الصندوقِ الأسود في العالم خلال العقودِ الأخيرة وتعلُّق الأنظار بهِ خاصةً مع زيادةٍ ملحوظةٍ في كوارثِ الطائرات سواءً تلك التي تسقطُ جرَّاء أعطالٍ تقنيةٍ أو ظروفٍ جويَّةٍ أو أعمالَ إرهابية، صارَ الصندوق الأسود برمزيَّتِهِ تعبيراً عن مكمَن الأسرار والحكايات المفقودة فألهَم بوظيفتِهِ الصحفيين للبحثِ والتفتيش في ملفاتَ عديدة تمَّ تناولُها بطريقةِ عملِ الصندوق الأسود، فلوحِظَ ظهورُ برامجَ تعتمدُ على الصحافةِ الاستقصائية في أنحاءَ متفرقةٍ من العالم وبلغاتٍ عدّة تقومُ في فكرتِها الرئيسةِ على حلِّ الألغازِ من خلال شهادات حيَّة أو تحليلات منطقية للتاريخ أو زياراتٍ ميدانية لأماكن وقوعِ الحدث الذي قد يمتدُّ عبرَ مسارحَ جغرافيةٍ متنوِّعةٍ بين دول العالم، وغالباً ما تكونُ الصحافةُ التي تعتمدُ على آليةِ عمل الصندوق الأسود محفوفةً بالمخاطر والعقبات التي يعملُ القائمونَ عليها من خلال حلِّ الشيفرات في أوراق رسمية وشهاداتٍ حيَّةٍ ليرسموا الصورةَ الغائبة من جديد ولتظهرَ الحلقةُ المفقودة بين روايَتين، وهاهما اليوم تتعارضان بسجال حاد، ما بين روسيا وبريطانيا حول سرّ سقوط الطائرة الروسية.

13