الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى مبادرة إماراتية لإنقاذ الطائر النادر

الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى مؤسسة دولية بمبادرة إماراتية تعنى بالمساهمة في دعم تكاثر طائر الحبارى المعرض للخطر والحفاظ عليه. ويشرف الصندوق على شبكة واسعة من مشاريع الحفاظ على الحبارى بمختلف الدول إلى جانب إشرافه على برنامج لدعم تكاثر هذا الطائر داخل الأسر وتسهيل سبل إطلاقه إلى البرية في دول الانتشار.
السبت 2016/12/03
مخابر وبحوث لصالح طير الحبارى

أبوظبي- يعتبر الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى جهة رائدة في معرفة سلوك هذا الطائر والحفاظ عليه من التهديد، حيث يمثل جزءا مهمّا من الثقافة والتراث في المنطقة العربية عموما ودولة الإمارات بصفة خاصة. وتكمن رسالة الصندوق في الاستمرار بالعمل من أجل الحفاظ على الحبارى من خلال مجموعة من البرامج تهدف إلى دعم تكاثر هذا الطائر داخل الأسر والبحث في السبل الكفيلة بإطلاقه إلى البرية، وتعزيز الممارسات المستدامة في جميع المجالات مع التركيز على ممارسات تعتمد أكثر على طرق الصيد بالصقور.

وقد التزمت دولة الإمارات بالعمل من أجل ضمان بقاء الحبارى في المستقبل عندما لاحظت تراجع أعداد هذا الطائر في البرية منذ سبعينات القرن الماضي بسبب الصيد غير المنظم والتوسع الحضري على حساب الموائل الطبيعية، فقررت إنشاء أول برنامج للمحافظة على هذا الطائر وقد كان ذلك البرنامج النواة الأولى للصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى. وقامت الإمارات بتأسيس برنامج لدعم تكاثر هذه الطيور في حديقة حيوان العين بأبوظبي، حيث تم إنتاج أول فرخ حبارى آسيوي في الأسر عام 1982.

الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى يساهم في رفع الوعي بأهمية طائر الحبارى في الثقافة والتراث المحليين لدولة الإمارات

وتعد طيور الحبارى إحدى الطرائد المهمّة لدعم المصادر الغذائية المحدودة لسكان شبه الجزيرة العربية، كما يعد طائر الحبارى رمزا مهمّا للتراث والثقافة العربيين، وقد تدهورت أعداد الحبارى بسرعة كبيرة على مرّ السنين بسبب مجموعة من العوامل لعل أبرزها التوسع العمراني وطرق التدخل البشري في الموائل البرية، إضافة إلى طرق الصيد الجائرة في بعض الأحيان.

من المحلية إلى العالمية

يواصل الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى تقديم دعمه لصيانة الإرث الإماراتي وقد تطور إلى برنامج عالمي شامل للحفاظ على الحبارى والحياة البرية المتصلة بها، وأصبح المصدر الأول للمعلومات حول هذا الطائر. ويحتوي هذا الصندوق على برنامج شامل لدعم تكاثر الحبارى داخل الأسر وكيفية إطلاقها إلى البرية، وهو برنامج يواصل النمو والتوسع عاما بعد آخر. وتتكامل جهود الصندوق من خلال العمل في مجالات التعليم والأبحاث البيئية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية ليواصل مساعيه باتجاه زيادة أعداد طيور الحبارى وكيفية المحافظة على استدامتها لأجيال المستقبل.

وتأسس الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى في أبوظبي عام 2006 ويشرف على إدارة شبكة عالمية من المبادرات المستدامة التي تهدف إلى الحفاظ على طائر الحبارى وزيادة أعداده حول العالم. ويأتي ضمن أولويات هذه الجهود برنامج الصندوق الطموح لدعم تكاثر هذا الطائر داخل الأسر وإطلاقه إلى البرية. ويدير الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى شبكة واسعة من مراكز التكاثر في مختلف مناطق العالم التي ينتشر فيها هذا الطائر والتي تعنى بتكاثر نوعين رئيسيين من الحبارى هما حبارى شمال أفريقيا والحبارى الآسيوية، والأخيرة تشمل الأصناف المستوطنة والمهاجرة، حيث يجري التعامل مع كل منها بشكل منفصل من أجل استعادة وتكوين مجموعات مستدامة منه.

مشروع لتكاثر الحبارى وحمايتها من الصيد الجائر

ونجح هذا الصندوق في تطوير تقنيات جديدة ومبتكرة لدعم تكاثر هذه الطيور، وهي تعد الآن من أبرز الأساليب المعتمدة في تكاثر طائر الحبارى داخل الأسر. ويتم إنتاج مجموعتين مختلفتين من الطيور، حيث تستخدم إحداها للإكثار في ما تخصص الأخرى للإطلاق، ولكل منهما إجراءات منفصلة يتم اتباعها وفقا للغرض من التربية. وقد بذل الصندوق جهودا كبيرة للمحافظة على التنوع الجيني لطيور الحبارى المتكاثرة في الأسر من الحبارى الآسيوية وحبارى شمال أفريقيا. ويدير الصندوق حاليا شبكة واسعة من مراكز التكاثر تضم المركز الوطني لبحوث الطيور في سويحان بأبوظبي، ومركز الإمارات لتنمية الحياة الفطرية في ميسور بالمملكة المغربية ومركز الشيخ خليفة لتكاثر الحبارى في جمهورية كازاخستان، بالإضافة إلى مركز الشيخ خليفة لدعم تكاثر الحبارى في سيح السلم بأبوظبي.

استراتيجية الصندوق

يتبع الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى استراتيجية دقيقة للإطلاق التدريجي للطيور، حيث يساعد ذلك الباحثين المتخصصين في الصندوق على فهم العوامل الطبيعية التي تؤثر على أعداد الحبارى. ويجري تتبع الطيور التي يتم إطلاقها في موائلها الطبيعية بهدف جمع المعلومات حول سلوك هذا الطائر وبيئته الطبيعية وتوزعه الجغرافي إلى جانب دراسة معدلات البقاء التي تمثل الأساس لقياس مدى نجاح برامج الصندوق. وتشير هذه الدراسات إلى أن معدل البقاء الحالي بعد السنة الأولى من الإطلاق هو 50 بالمئة، ما يعني أن الطيور التي يتم إطلاقها تساهم بفعالية في زيادة أعداد الحبارى، حيث تقترب معدلات بقائها بعد الإطلاق من معدلات بقاء الحبارى البرية.

وبفضل فريق عالمي رائد من الباحثين والعلماء الميدانيين خصص الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى موارد كبيرة لفهم الظروف الصحية والبيئية التي تساعد طير الحبارى على التكاثر والتطور، إضافة إلى فهم خصائصه السلوكية. وقد أفادت نتائج تتبع الحبارى بواسطة أجهزة التتبع الفضائية واللاسلكية في توضيح العديد من الجوانب المتعلقة بهذا الطائر مثل سلوكيات التكاثر واستخدام الموائل ومسارات الهجرة والمحطات المفضلة أو المناطق المحبذة في فصل الشتاء.

الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى يساهم في رفع الوعي بين مختلف شرائح المجتمع بأهمية طائر الحبارى في الثقافة والتراث المحليين لدولة الإمارات

كما استطاع العلماء تحديد العوامل البيئية التي تلعب دورا حاسما في رفع معدلات البقاء على قيد الحياة للحبارى المتكاثرة في الأسر والحبارى البرية. وعادة وقبل كل إطلاق، يقوم العديد من العلماء المتخصصين التابعين للصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى بدراسة المنطقة التي سيتم فيها إطلاق الحبارى، حيث تجري عمليات مسح الغطاء النباتي على نطاق واسع وتعداد الفقاريات واللافقاريات ورسم خرائط للموائل الطبيعية التي ستقصدها طيور الحبارى وإجراء أبحاث مناخية من خلال محطات فضائية موزعة بشكل استراتيجي، وإضافة إلى ذلك يجري تحديد آثار الأساليب الزراعية وخاصة الرعي وتقييم تأثيرها على تجدد الحياة النباتية في المنطقة المستهدفة.

نجاح الأبحاث

تعتبر البيانات والمعلومات التي جمعها علماء البيولوجيا التابعون للصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى ذات أهمية كبيرة للبرامج التي تقوم بها المنظمات الأخرى للحفاظ على التنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجي بمختلف دول الانتشار. وقد أسفرت العديد من الدراسات المهتمة بالغطاء النباتي ومنظومة الحيوانات البرية عن فهم واسع للمتطلبات الغذائية لطيور الحبارى، حيث أنه رغم أن طير الحبارى يقطن مناطق قاحلة، فإن ذلك لا يمنع من أن تمثل كميات الأمطار عاملا مهمّا في دورة التكاثر.

وتجري معظم عمليات التكاثر الفاعلة بعد نزول كميات هامة من الأمطار التي تسهم بدورها في ازدهار الغطاء النباتي وثرائه، ففضلا عن توفير قدر أكبر من الجودة والتنوع في الغطاء النباتي، تسهم الأمطار في توفير كمية كبيرة من الحشرات وتتيح هذه الميزة الثنائية التوازن الغذائي الأمثل لتكاثر الطيور. وقد أدت برامج الأبحاث التي أجراها الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى للتوصل إلى فهم غير مسبوق لطيور الحبارى. واستطاع علماء الأحياء تحديد أفضل المعايير الخاصة بمنشآت التربية والإكثار، بالإضافة إلى وضع منهجيات متميزة لتنفيذ الإجراءات الأكثر فاعلية للحفاظ على طيور الحبارى.

متابعات علمية للحبارى في دول التكاثر

وأعلن الصندوق الدولي للحفاظ على طائر الحبارى في الثاني من شهر أكتوبر الماضي عن إنتاج 53 ألفا و743 طائر حبارى خلال العام الجاري ضمن برنامج الصندوق لدعم تكاثر الحبارى في العالم بهدف دعم تواصل هذا الطائر داخل الأسر وإطلاقه في دول عدة للمحافظة عليه. وتبذل الإمارات جهودا كبيرة للحفاظ على طيور الحبارى منذ أربعة عقود بزيادة أعدادها في البرية والحدّ من تناقص بيئتها الطبيعية في مناطق انتشارها بالعالم، حيث أن مجموع ما تمّ إنتاجه من طائر الحبارى منذ العام 1996 وصل إلى 285 ألف طائر بنوعيه الحبارى الآسيوية وحبارى شمال أفريقيا، فيما تمّ إطلاق ما يقارب الـ200 ألف منها منذ العام 1998 وحتى اليوم.

كما تكثف أبوظبي جهودها بالتعاون مع المنظمات العالمية وجهات مسؤولة في مختلف الدول التي تنتشر بها طيور الحبارى الممتدة من المغرب في شمال أفريقيا وحتى منغوليا والصين الشعبية، إذ تتطلب عملية التكاثر في الأَسر جهودا علمية دؤوبة تتمثل في استخدام أحدث التقنيات لتوفير الظروف البيئية المناسبة بمراكز التكاثر، إضافة إلى الإدارة الجينية السليمة للمحافظة على الصفات الوراثية للحبارى وسلالاتها والدراسات الإيكولوجية في مختلف مناطق الانتشار والتكاثر، فضلا على التتبع بالأجهزة المتصلة بالأقمار الصناعية والرصد المستمر للموائل الطبيعية وقياس مستويات نجاح طيور الإطلاق في التأقلم والانتشار والتكاثر.

ويساهم الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى في رفع الوعي بين مختلف شرائح المجتمع بأهمية طائر الحبارى في الثقافة والتراث المحليين لدولة الإمارات من خلال مختلف الأنشطة التعليمية والترفيهية وورش العمل التي ينظمها الصندوق للصقارين في المعارض. وفي دراسة بحثية استقصائية أعدّها الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى شارك فيها العديد من الصقارين كشفت عن توافر الوعي اللازم لدى 88 بالمئة منهم بشأن وضع طائر الحبارى واهتمامهم بالمحافظة عليه.

وبعد مرور عقد على تلك الإنجازات فإنّ الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى يُعيد صياغة استراتيجيته استنادا إلى ما تحقق في مرحلة الإنجازات التي امتدت منذ العام 1976 وحتى 2015 وإرساء أسس جديدة لمرحلة الاستدامة التي بدأت في العام 2016 وتستمر حتى العام 2025. وأصبح الصندوق بعد سنوات قليلة على تأسيسه قادرا على تخطي العقبات التي تواجه عمليات التكاثر والإطلاق ليصبح مؤسسة دولية رائدة على مستوى العالم في هذا المجال ومصدرا معلوماتيا غنيا بكل ما يتعلق بالحفاظ على هذا الطائر الخجول الذي لا يتكاثر بسهولة في الأسر أو خارج موائله الطبيعية.

20