"الصندوق".. كوميديا سوداء وفلسفة سياسية من مسرح العبث

عرض مصري ساخر يناقش الثأر والدكتاتورية والنفاق واللامبالاة والإرهاب.
الأربعاء 2021/06/16
شخصيات مثل دمى داخل صندوق

ظهر مسرح العبث أو اللامعقول مع نهاية الحرب العالمية الثانية التي أحدثت زلزالا عالميا وأفرزت ثقافات مختلفة تتميز بالجدل لفلاسفة وعلماء من أمثال نيتشه وفرويد وماركس. ومع الأحداث العالمية الراهنة، وبما تحمله من فواجع ومصائب وصراعات، تظهر كل فترة عروض تنتمي لهذا المسرح، ومنها المسرحية المصرية “الصندوق”.

تحمل المسرحية المصرية “الصندوق” المعروضة حاليا على مسرح الطليعة بالقاهرة الكثير من ملامح مسرح العبث المطعمة بالكوميديا السوداء الساخرة، وتنطوي على رسائل متدفقة تدعو للتفكير بشكل حطم محرمات (تابوهات) بعض المسرحيات التي تنتجها وزارة الثقافة المصرية، حيث تحول معظمها إلى منابر لعرض رسائل مباشرة وسير ذاتية ربما تعجب البعض لكنها لا تدعو للتفكير.

طرح العرض الغارق في الرمزية تساؤلات فلسفية في إطار كوميدي من خلال فكرة الفنان طه سادات، أحلام الدمى التي عمل عليها المؤلف محمد زناتي ونسج خيطا عميقا وساخرا مصحوبا بتفسيرات وتأويلات تبدأ بهل الإنسان مخيّر يختار قدره بيديه أم أنه مسيّر وحبيس داخل صندوق وعليه أن يستسلم له في النهاية؟

إسقاط سياسي

الكوميديا السوداء
الكوميديا السوداء

يحكي العرض المصري “الصندوق” عن نجاة شخصين يتسمان بالحيوية والأمل وحب الفن والحياة وعدم الاستسلام لليأس، وهما راقصة الباليه والموسيقار الشاب اللذان يتجرعان مرارة ثمار ثورة يوليو 1952 في مصر التي أسقطت النظام الملكي فيها، فيتمردان عليها ولا يستسلمان للحياة داخل الصندوق مثل الأجيال السابقة، وتمثلها باقي الشخصيات التي ترضخ لليأس والخنوع والخضوع وكافة المسببات التي تجعلها تظل للأبد حبيسة داخل الصندوق.

مفاجأة أخرى تفجرها الفنانة أميرة فريد، وهي أن كل شخصيات المسرحية عبارة عن دمى وعرائس داخل الصندوق وتحذرهم من محاولة الخروج عما هو مرسوم لهم من السلطة العليا التي تسجنهم داخله، وإلا سيكون مصيرهم التفكيك والقذف بهم في سلة المهملات، ثم تعلن عن عزمها صنع عدد آخر من الدمى.

للوهلة الأولى يظن المتفرج أنه أمام عرض كوميدي الذي يتميز به القطاع الخاص، لكنه يُفاجأ أنه أمام عرض كوميدي رفيع ووقع في مصيدة تطرح أفكارا فلسفية عميقة تقود المتفرجين إلى كونهم من بين الأشخاص المحبوسين داخل الصندوق مع أبطال العرض أنفسهم.

تبدأ المسرحية بفكرة أن أول شخص سيسقط في الصندوق، فلا أبواب ولا نوافذ أمامه، فيصبح اليائس اللا مبالي الغائب عن الوعي دائما بسبب شرب الخمر باستمرار، ويلعب هذه الشخصية الفنان الكوميدي ياسر الطوبجي الذي قدم الدور ببراعة.

العرض يقدم مزجا بين الفكرة والكوميديا بحيث لا يكون العرض سوداويا مع مراعاة طرح أفكاره ببساطة

وتتجسد رمزية اللامبالاة والغياب عن الوعي التي تسيطر على كثير من الأشخاص بل والشعوب أيضا في الطوبجي الذي يعبر عن لا مبالاته من تواجده في الصندوق، حيث لا زمان ولا أسباب منطقية لهذا التواجد، ويعبر عن ذلك بغنائه في بداية العرض “لو صحيت يوم يا صاحبي ملقتش (لم تجد) نفسك مش هتفرق (لن تفرق) لو في يوم جيت (حاولت) تنده (تنادي) عليك معرفتش (لم تعرف) حتى اسمك إيه هيفرق؟”.

وطلت سريعا في العرض قصيدة “إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر” التي كتبها الشاعر التونسي أبوالقاسم الشابي وغنتها أم كلثوم، فعندما فاق العربيد إلى رشده وعاد لوعيه نجح في الحصول على القنبلة وإبعادها عن المكان حتى لا تنفجر ليستيقظ الشعب من جديد من الرقاد والموت الإكلينيكي.

عبرت كل شخصية في العرض عن قضية وفكرة، فسائق التاكسي الذي ولد عام 1950 وقدم دوره الفنان ناصر شاهين يمثل ما قبل ثورة يوليو 1952 بأحلامه البسيطة في تجهيز ابنته بالأواني النحاسية، تعبيرا عن البساطة التي كانت سائدة في ذلك العهد، ومعه الراقصة الحالمة التي ولدت مع إنشاء أول دار أوبرا في مصر ترمز للشياكة والفن الرفيع والأمل في الغد المشرق الذي كان سائدا في ذلك الحين وقدمت دورها الفنانة أميرة عبدالرحمن برشاقة.

وكشفت عبدالرحمن لـ”العرب” أن دور البالرينا يقترب كثيرا من ملامحها الشخصية، حيث كانت راقصة في فرقة الرقص المسرحي الحديث وممثلة تعشق الباليه والحرية وتمتلك طموحات فنية كثيرة.

أفكار وقضايا متنوعة

Thumbnail

حملت باقي الشخصيات أفكارها وقضاياها معها، فالموسيقار، ولعب دوره طه خليفة، عبر في البداية عن مطربي المهرجانات بما يحملونه من إسفاف ثم عودته إلى تقديم الغناء الهادف بنهاية المسرحية.

لم يوفق المخرج في رسم ملامح شخصية الموسيقار الذي كنا نظن في البداية أنه من مطربي المهرجانات بما يحملونه من ضجيج، ليتضح أنه يقدم فنا هادفا، فلم نعرف إن كان ذلك مقصودا أم هو فشل في رسم ملامح الشخصية على خشبة المسرح كما صاغها المؤلف، والذي يعاب عليه عدم الاستعانة بتسجيلات لأغاني تدعم أفكار العرض وتزيده ثراء.

كم من المهمشين يغوصون في أعماق هذا الوطن ولا يهتم بهم أحد فيضطرون للانضمام إلى حزب الطيور المهاجرة إلى خارج الوطن، فكرة أخرى عبرت عنها شخصية الساقط من حسابات الوطن، وقدمها الفنان محمود فتحي بطريقة كوميدية تعلن عن مولد نجم كوميدي يدرك أبعاد دوره.

كما أن فكرة الثأر ورحلة العذاب وسلسال الدم التي مازالت سائدة في كثير من محافظات جنوب مصر ويذهب ضحيتها كثيرون، عبر عنها الفنان محمود عبدالفتاح المتنكر في زي “سوبرمان” ويعمل في أحد الفنادق، وهو في الواقع هارب من “الثار”.

وكانت فكرة محقق الأحلام بابا نويل والوعل المصاحب له شخصيتين زائدتين عن العرض، ويمكن الاستعاضة بهما بالراوية التي ظهرت في نهاية العرض وقدمتها الفنانة أميرة فريد، لكن يحسب لهما الأداء العالي من الفنانين أحمد عبدالحي وطة سادات، حيث قدما دورهما ببراعة. وقدمت الأفكار العميقة وحتى السوداء منها طوال العرض بلا توتر أو قلق.

وتناقضت الألوان على خشبة المسرح، وهي رؤية المخرج مع رؤية مؤلف العرض محمد زناتي، وكان الأكثر وقعا اللون الرمادي للتعبير عن الأفكار السوداوية داخل الصندوق لتتطابق مع لون الهدايا الأسود التي قام بابا نويل بتوزيعها على مساجين الصندوق، والتي اتضح في النهاية أن العلب الصغيرة كانت فارغة للتعبير عن معاناة كثير من المواطنين الذين يوهمهم البعض بتقديم مشاريع كبرى.

طعنة ثاقبة لحزب المنافقين من البشر الذين يقدمون التنازلات من أجل الحصول على المال أو السلطة، يفجرها مشهد الفنان ياسر الطوبجي وهو يقول إن البعض لديه القدرة على التعري و“الاستربتيز”، في إشارة إلى التنازل عن المبادئ والأخلاق.

Thumbnail

ويقول الفنان الطوبجي لـ“العرب” إن الدور العميق والفلسفي هو أكثر ما جذبه للمسرحية ليعود إلى المسرح بعد غياب طال لتسع سنوات، لأنه يهتم بتقديم الفكرة مع الضحكة وهو ما وجده في مسرحية الصندوق.

انتهت مسرحية “الصندوق” بنجاة البالرينا والموسيقار ثم ظهور الفنانة أميرة فريد التي تستعد لعمل دمى جديدة، وكان الأجدر تركها مفتوحة، فالبشر مازالوا يعانون من الصندوق، لكن يبدو أنها جاءت متعمدة لمنح المتفرجين بصيص أمل.

ويوضح المؤلف محمد زناتي لـ“العرب” أن ما دفعه لكتابة المسرحية هو الأحداث الراهنة بما تحمله من تناقضات وغرائب كحصار فايروس كورونا الناتج من خطأ إنساني في معمل تحملته البشرية كلها، متوقعا حدوث حروب جديدة، كحرب المياه، وسياسات غير متوقعة كحصار الكونغرس الأميركي في يناير الماضي، “أليس كل ذلك عبثا يستدعي كتابة مسرحية مثيرة للجدل وتدعو للتفكير مثل الصندوق؟”.

ويضيف أنه حرص على تقديم مزج بين الفكرة والكوميديا التي تجذب المتفرج بحيث لا يكون العرض أسود وبلا نقطة بيضاء، مع مراعاة طرح أفكاره بشكل بسيط  لتصل لكل المستويات الثقافية التي تشاهد العرض.

14