الصندوق ومفتاحه

شخصيات مؤثرة عبر التاريخ وشركات ضخمة اعتمدت التفكير خارج الصندوق كي تتخلص من مشكلات لا حل لها.
الجمعة 2019/08/30
جدل يطول

قرأت مرة للمفكر الأميركي ذي الأصل الروسي أبراهام ماسلو أن “الإبداع هو خاصية مميزة لجميع البشر عند الولادة” وأن الإنسان يولد مبدعا، لكن هناك من يقمع إبداعه ويضعه في “صندوق” تفرضه عليه قواعد اللعبة الموضوعة من قبل الكبار، والهيمنة المرعبة لأصحاب الخبرات والمخضرمين الذين يتسيدون المشهد، وكذلك تلقين ثقافة الاتباع والقبول دون نقاش. ماسلو صاحب نظرية “الدافعية الإنسانية” التي يبشّر فيها بأن طبيعة الدوافع تبرز في نظام متصاعد يبدأ بالأولويات المؤثرة، وحين تشبع تلك الأولويات أو الحاجات ينتقل الإنسان إلى ما هو أعلى في سلم الدوافع. وهذا أمر يجعلك حتماً عرضة لمن سيحاول، باستقتال، وضعك في صندوق مغلق قبل أن يبتلع مفتاحه كي لا تخرج أبداً.

شخصيات مؤثرة عبر التاريخ وشركات ضخمة اعتمدت التفكير خارج الصندوق كي تتخلص من مشكلات لا حل لها، طال الجدل حولها، من نيلسون مانديلا إلى والت ديزني وشركة أبل وغيرها. أرادت تلك القوى أن تتحرر من الأنماط التقليدية للعمل، فامتلكت جرأة التفكير في الجديد، وعدم التردد في طرحه.

وقد كانت أغنية الموسيقار المصري الخالد سيد درويش “سرقو الصندوق يا محمد” واحدة من بين أعظم الأعمال ليس الفنية النغمية فقط، ولكن على مستوى النص الساخر والسابق لزمنه، وربما الاستشرافي. كلمات نوبية تشكو تمزق الحال، ولكنها تعود إلى اللازمة بين الحين والآخر “سرقو الصندوق يا محمد، لكن مفتاحو معايا”. تلك الصورة من الطمأنة الزائفة التي يبثها البعض في وعي الناس؛ لا تقلقوا فحتى لو سرق أحد صندوقنا فإن المفتاح معنا. وكأن من سيسرق الصندوق بحاجة لمفتاح كي يفتحه. وهو الذي لن يتردد بكسره وتحطيمه لحيازة ما فيه.

وبعد مئة عام على سرقة الصندوق ومثلها على ظهور أغنية سيد درويش هذه، تعود سيرة الصندوق من جديد. عبر ما يسمى بـ”التفكير خارج الصندوق”. يا لها من فكرة. ما دام الصندوق مسروقا فلنفكر من دونه إذا. والصندوق هو الوعي والقرار والكفاءات والفرص والإطارات التقليدية والذهن الرافض للتغيير وما شابهه.

ومن المضحكات المبكيات، أن المشتغلين العرب في مجال التفكير، وبدلاً من أن يواصلوا التفكير خارج الصندوق كما يقال، انهمكوا في البحث في السؤال “كيف دخلنا في الصندوق أساسا؟”. لنعلق في قصة لا أول لها ولا أخر تعيدنا إلى عصور سحيقة، بدلاً من التفكير في المستقبل. وهكذا نبقى ندق من الداخل على جدران الصندوق دون أن نخرج منه في يوم من الأيام.

24