الصنم الذي حطمته داعش انتقاما رمزيا من التاريخ

الأحد 2015/03/08
تدمير التاريخ

"حطّم حطّم دولة الصنم" هكذا كان ينشد أحدهم بصوت رخيم جميل، وفي المشهد مطارق وأزاميل كهربائية بيدي عناصر الدولة الإسلامية في العراق والشام تدمر مجموعة من التماثيل في أحد متاحف العراق، منها تمثال الثور المجنح الشهير.

الخوض في تفاصيل المشهد غير مجدية ونفعها لا يكاد يذكر. أما الوقوف على الجانب الديني فهو أمر يحتاج الكثير من العناية والصبر والحيطة ولا يمكن اختصاره بالكثير من الكلام الذي يأتي من يخالفه ومن ذات المراجع والكتب.

ولكن لا مانع من طرح بعض الأسئلة على أمل أن تلقى مجيباً، نبدأها بأن هل تلك الأصنام والتماثيل كانت تعبد من دون الله اليوم؟ وهل هي في حالة رجس مع الله عز وجل؟ والرجس هنا يعني الخلط بينها وبين مقام الله في باب العبادة والتضرّع.

وهل تلك الأصنام اليوم تقع في موقع الأوثان التي تشتمل على الكثير من المعبودات التي من الممكن أن يسجد لها حتى الداعشي دون أن يدرك، فيقع بالرجس كأن يعبد الله من فوهة بندقيته بدلا من بوابة عقله وفهمه وإيمانه.

أليس هذا من المتاح اليوم؟ بل ربما هو من المؤكد في بعض المواقف وبالذات تلك التي يستعرض فيها عناصر التنظيم قدرتهم الدفاعية عن الله وليس في سبيله أي أنهم يدافعون عن خالق الكون وما خفي منه وما ظهر. أفليس هذا انتقاصا من مقدرة الله ومقامه ووضعه موضع الشرك مع قوتهم هم أنفسهم أي أنهم باتوا يعبدون الأوثان.


الهروب من التاريخ


ولكن كي لا نتجنّى كثيرا على التنظيم ومن فيه من صغار العقول أو الخبثاء أو الماكرين أو القادة أو المجرمين، كم “داعش” مرّ على هذه الأرض؟ وكم منه اليوم يختبئ هنا وهناك ويقتل ويحطم دون هوادة ودون رحمة؟

مرة قيل بأن “داعش” فكرة وأثبتت الأيام القليلة الفائتة صحة النبوءة فتلك الفكرة القادمة من التاريخ ومازالت تسبح في فلكه، انتقلت بسرعة عابرة البحار والصحارى إلى مصر وليبيا وأفريقيا جنوب الصحراء ولا أحد يعلم أين سيقف قطارها وسيلها الجارف؟ وربما لن يقف إلا بعد أن تضع كل المطامع أوزارها وتتخلى تلك الأطماع عن الحرب سبيلا للوصل إلى مرادها.

عناصر الدولة الذين حطموا الثور المجنح وبقية التماثيل بالكاد يعلمون ما هي هذه النصب. ولكنهم يعلمون تماما أنهم يحققون ذاتهم بتدميرها ويتشبهون بالنبي إبراهيم والرسول عليه الصلاة والسلام، دمّروا الأصنام التي ظنوا أنها تعبد من دون الله، ولكن الحالة هذه تعلن لنا إشكالية المظهر التي تعاني منها الإنسانية بدرجات مختلفة ولكنها شديدة العمق في الشرق المهووس بالشكلانية، فالله يتوجب عليه أن يتجلى بدور العبادة على أقل تقدير وأكثر المشاهد اعتيادية، وربما يتجلى بالحاكم بأمر الله، أو يهبط وحياً على القائد المفدى وحكيم الزمان الذي لا يموت إلا جسدا ويبقى روحا وفكرا وأصناماً كحال تماثيل حافظ الأسد التي دمرها أبناء الثورة السورية.

التقليد ذاته اتبعته جيوش الحملة الصليبية في تدميرها لا لمساجد المسلمين بل لأيقونات ولوحات الكنيسة المشرقية بالقسطنطينية يوم غزوها، واليوم يعاد المشهد على يد "داعش" لكنه هذه المرة متلفز ومنقول كما كان يوم دمرت القاعدة تماثيل بوذا في أفغانستان


التمثال العدو


ولكن المرجعية هنا روحهم الشرقية الحرة لا وصية ملفقة على سنن لا علم للأولين فيها فقد فتحت العراق في عصور الإسلام المبكر وكذلك مصر وبقيت كل تلك الأصنام شامخة واقفة أمام الجيوش الإسلامية ولم يمسها الضر فلماذا اليوم؟

وهنا يأتي الجواب فذات الروح التي دفعت أبناء الحرية لتدمير تماثيل حافظ الأسد ونجليه باسل وبشار وذات الروح التي دفعت الأوكرانيين لتحطيم تمثال لينين هي ذاتها الروح التي دفعت عناصر الدولة لتدمير تلك التماثيل ولكن كلّ يدمر ما يرمز لعدوه.

فالأول أي الحر يدمر عدوه الحاكم المطلق الشمولي الدكتاتور الدموي وزبانيته، أما الداعشي فيدمر ما يظن أنه عدو ربه مهيظ الجناح الذي يحتاج من يدافع عنه دوما والواقع أنه يدمر ما يراه عدوه فهو يعلم بقرار نفسه أنه زائل ولن يبقي وراءه إلا الخراب، فلن يترك وراءه حتى مسجدا واحدا عامرا كمساجد بني أمية أو العباسيين على أقل تقدير، ولذا فهو يعلن الخصومة مع التاريخ الذي ينكره ويحاول الانتقام منه بقتله رمزا بأوابده التي تزين تلك البلاد المكلومة.

في هذه البلاد منذ أكثر من ألف وأربعمئة سنة سارت الفيلة لتدمير الكعبة وهي من أبرز الأوابد الأثرية الدينية وسط الصحراء، وذات الرمز لم ينج من تدمير لاحق، ومن ثمة جاءت عشرات الحروب وسبقتها كذلك العشرات فتماثيل الآشوريين هؤلاء من المؤكد أن أصحابها دمروا تماثيل الممالك التي استعمروها يوما وهذا ما كان تقليدا في ذاك العصر والزمان.

ذات التقليد اتبعته جيوش الحملة الصليبية في تدميرها لا لمساجد المسلمين بل لأيقونات ولوحات الكنيسة المشرقية بالقسطنطينية يوم غزوها، واليوم يعاد المشهد على يد “داعش” لكنه هذه المرة متلفز ومنقول كما كان يوم دمرت القاعدة تماثيل بوذا في أفغانستان.

الله يتوجب عليه أن يتجلى بدور العبادة على أقل تقدير وأكثر المشاهد اعتيادية، لا أن يتجلى حسب فكر المتطرفين بالحاكم بأمر الله، أو يهبط وحيا على القائد المفدى ليبقى روحا وفكرا وأصناما كحال تماثيل حافظ الأسد التي دمرها أبناء الثورة السورية


الوظيفة السياسية


استعداء داعش للآثار، لا يعود فقط لكونها ذات بعد ديني، بل بسبب الاهتمام العالمي عبر العصور الحديثة بتلك الموروثات الهامة، التي حرصت البشرية على رصد حركة الإنسان وتحضره من خلال دراستها، وبالتالي فإن تحويلها إلى عدو، هو إمعان في تحويل البشرية إلى خصم بالمعيّة، وهذا يعزّز من صلابة التحالف الدولي المضاد لداعش، وتكتيل المزيد من القوى العالمية، في الحرب على الإرهاب.

وهنا يكمن الدور الوظيفي لتنظيم داعش، الذي خرج بين ليلة وضحاها وتمكن من احتلال مساحة تقارب مساحة دول كبيرة في العالم، مجتاحاً قواعد عسكرية، فرّت من أمام مئات مجاهديه فرق عسكرية مدربة وممولة بمليارات الدولارات، تاركة خلفها عتاداً ونفطاً ومصالح تكفي لتحويل هذا التنظيم إلى القوة التي هو عليها الآن.

قال نيتشه “التاريخ لعين يتبع لعينا”، صدق هنا نيتشه، فصناع التاريخ هم أشباه “داعش” الذين يدمرون ليرى العالم أجمع النور وتميز النفوس الحقائق من الأكاذيب، ويتبين لهم خيط الحرية الأبيض من خيط العبودية الأسود فمن أراد الحرية فليتبع يقينه ومن أراد العبودية فليس عليه إلا أن يتبع من دمر صنما ليبني آخر.

وليترك ضجيج الإعلام لمن يهتم، فهذه التنظيمات الإرهابية أحرقت قلوب السوريين الذين يواجهون اليوم مصيرهم بما خزنوا من كرامة وما تبقى من خير البلاد وصبر أبنائها. وهذه التنظيمات لم ولن تكون الوحيدة في تاريخ الإنسانية العاثر. إنسانية شبهها الفيلسوف جودت سعيد “بالمراهق الأرعن”.

7