الصهيونية واحتكار القدس.. ازدراء للمسيحية والإسلام

الانحياز الكامل لليمين الأميركي لإسرائيل، والذي تجسد أخيرا في قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ليس مجرد انحياز سياسي بل هو مبني على عقيدة دينية ذات طابع عنصري، وهي الإنجيلية، وعلى الطريقة الأميركية والقراءة الإسرائيلية وفق الخلفية الصهيونية، التي استولت على مدينة القدس وشوّهتها بما يتماشى مع مزاعمها.
الخميس 2017/12/14
ظلم وكره وقهر

لم يكن إعلان ترامب، القدس عاصمة لإسرائيل سوى تتويج لما تعيشه المدينة المحتلة، فمنذ 70 عاما اعترفت الولايات المتحدة بدولة إسرائيل كدولة مختارة لشعب مختار حسب رواية التوراة، وفي عام 1995 اتخذ الكونغرس الأميركي قرارا لنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، دون أي ردّ فعل عربي يذكر رغم أنه صدر بعد أربعة أسابيع من توقيع “اتفاقية أوسلو” والتي تم فيها الالتزام بعدم المساس بوضع القدس الذي أقرته الأمم المتحدة في الـ29 من نوفمبر عام 1947 وتأجيل البحث فيها إلى مفاوضات الحل النهائي.

الاعتراف الدولي المشوَّه لمكانة القدس الدينية وحالة الإلغاء للحقائق التاريخية الكثيرة والحضارات المتنوعة التي مرّت على مدينة القدس، جعلا المجتمع الدولي خاضعاً لمشيئة الحركة الصهيونية التي استطاعت جمع اليهود في فلسطين، ورغم عدم الاعتراف الرسمي بها كعاصمة لإسرائيل واعتبارها منطقة دولية (كوربوس سبراتوم).

إلا أن حلّ النزاع عليها وتأهيل المدينة بما يمنع استملاكها لشريعة دينية دون أخرى وفرض حالة من الوفاق والتعايش الديني لم يكن كل ذلك متاحا، بل واكبته العديد من الخطوات المشجّعة عبر الصمت الدولي حيال احتلال إسرائيل لمساحات واسعة من غربي القدس وتحويلها إلى عاصمة لمقر حكومتها ثم ألحقتها في العام 1980 بضمّ القسم الشرقي من المدينة الذي احتلته في حرب 1967 لتعلن نصرها الديني بجعل القدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل، وتستكمل هندسة المكان بالاستملاك والتهجير لتغيير وجه المدينة الديموغرافي والاجتماعي بما يناسب السردية الوجودية للكيان الاستيطاني بأنه “شعب بلا أرض لأرض بلا شعب”، بحيث تفرض واقعاً لا يمكن تجاوزه في أي حل مستقبلي.

إسرائيل تحاول إعطاء القدس ثوبا آخر مليئا بالتزوير والخداع يشبه الفكرة الصهيونية بوجهها القبيح في عالم يعيد إنتاج عنصريته

الأهمية الاستثنائية التي اتخذتها فلسطين وقدسها لدى أتباع الديانة اليهودية كأرض ميعاد لهم وبأن هيكل سليمان موجود تحت المسجد الأقصى، لم تكن أقل شأنا لدى أصحاب الديانة المسيحية والإسلامية فهي مهد المسيح وفيها كنيسة القيامة أقدم كنائس التاريخ وهي للمسلمين أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، هذه القدسية جعلت القدس ظاهرة حضارية فذّة تنفرد فيها دون سواها من مدن العالم كمدينة يقدّسها أتباع الديانات السماوية الثلاث، لكنها لم تجعلها “أورشليم العالم” أو مدينة السلام والوفاق الديني والحضاري، فأورشليم التي تعني بلد السلام صارت أورشليم اليهودية لدولة احتلال جلبت الويلات للمشرق العربي ومارست دورها في لعبة الهدم الحضاري الممنهج تحت ألوية الدجل السياسي الديني التي صارت أولوية بالنسبة إلى عالم يزداد إغراقاً بالعنصرية.

ما أقرّه ترامب بشأن سحق هوية القدس ليس طلقة طائشة أو مغامرة سياسية لكسب الود الإسرائيلي المكتسب أصلا منذ تأسيس هذا الكيان والاعتراف به وشرعنة وجوده، إنما هو جزء من ظاهرة اجتماعية سياسية لها جذورها في الفكر اليميني الذي نما وترعرع في دول الغرب عموما وفي أميركا خصوصاً مع اتساع دائرة تأثير الطائفة الإنجيلية البروتستانتية التي يتبعها ملايين الأميركيين وتشترك في خلفيتها الدينية إلى حدّ بعيد مع العقيدة اليهودية التلمودية.

وترتبط معتقدات أتباعها ارتباطا وثيقا بوجود الدولة اليهودية وأن ظهور دولة يهودية في الأرض الموعودة هو مشيئة الرب لقيام معركة هرمجدون وعودة المسيح المخلص، وبالتالي لا بد من دعم إسرائيل واليهود، فالتطرف الديني هو السبب الأول في الدعم الشعبوي الأميركي لإسرائيل وهو ليس وليد الساعة، فالمعادلة الأميركية التي استخدمها الرئيس بوش والنظام الأميركي في تقسيم العالم بين معسكري الشر والخير، ودولة الاحتلال ومقولاتها عن اليهود مقابل “الغوييم” (الشعوب غير اليهود أو الأغيار)، هي ذاتها الترسانة التي يتحصن وراءها الرئيس ترامب وفريقه، حيث يبدو عازماً على إرضاء القاعدة اليمينية المؤيدة لإسرائيل التي ساعدته في الفوز بالرئاسة.

التداعيات السياسية المحتسبة سلفا نتيجة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل من ضرب التسوية المنتظرة للقضية الفلسطينة عرض الحائط، وفقدان أميركا دورها كراعية للعملية السلمية في المنطقة، إلى تفجير انتفاضة الغضب العربية والاستنكارات الدولية، لم تقف بوجه الإدارة الأميركية التي ذهبت في تبنّيها مواقف التيار اليميني وشعار إسرائيل الكبرى مذهبا لا عودة عنه.

القدس ظاهرة حضارية فذة تنفرد وحدها دون سواها من مدن العالم كمدينة يقدسها أتباع الديانات السماوية الثلاث

فتداخل السياسة بالدين هو العنصر الفاعل والمحرك الأساسي في كافة المتغيرات التي تعيشها المنطقة والعالم، وكان لانتخاب الرئيس ترامب الذي تبنّى خطاب الكراهية والعنصرية بالغ الأثر في إدارة العديد من المسائل كأمن إسرائيل وتطويع منطقة الشرق الأوسط التي تعيش متغيراتها النوعية في اختلال بنيتها الاجتماعية وتسقط أكثر في فخ الهويات الدينية والطائفية والقومية والأيديولوجيات المتعصبة ونفي الآخر وإلغائه.

مسيرة العنصرية شكّلت متوالية إلغاء الآخر عبر التاريخ، من أمثلتها ما فعله المستوطنون الأوروبيون ضد الهنود الحمر والبرتغاليون والأسبان ضد الآزتيك والمايا وغير ذلك، وكانت محركا لظهور ما يسمى بـ“المسألة اليهودية” فتفاقم العنصرية والعداء لليهود ورفض اندماج هؤلاء في مجتمعاتهم التي وصلت مداها في أواخر القرن التاسع عشر دفعت كلها الكثير من اليهود إلى تبنّي الفكرة الصهيونية المتمحورة حول فكرة الخلاص اليهودي عبر إقامة كيان قومي لهم في أي بقعة من العالم وإعادة تشكيل الهوية اليهودية ضمن شروط قومية فكانت فلسطين الضحية لشعار الأرض الموعودة.

كما كان للتاريخ الغربي الاستعماري للبلاد العربية والإسلامية والتغاضي عن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي الوحشية المستمرة أثر كبير في زرع بذور الكراهية للغرب وأميركا وفي صعود تيارات التطرف الديني التي تحولت عقب الاحتلال الأميركي للعراق إلى إرهاب صريح كان سببا في تصاعد وتيرة الفكر العنصري ضد المسلمين وانتشار فوبيا الإسلام في الغرب، وللمفارقة فإن التيارات الإرهابية المتدثرة بعباءة الدين الإسلامي لم تطلق رصاصة واحدة ضد إسرائيل ووجهت نيرانها ضد الدول العربية.

لكن إسرائيل بوصفها دولة احتلال تمارس إرهابها منذ 70 عاما صارت شريكا في مواجهة هذه التنظيمات التي ستزداد اتساعا وتمددا عقب هذا التعمد العنصري لسحق المكانة الثقافية والدينية للقدس العربية وبالتالي زيادة الدمار والتفتيت للعالم العربي بحيث تمنع تشكل وعي شعبي عربي قادر على خلق مقاومة وطنية مدنية تستطيع مواجهة دولة محتلة “باسم الدين” بغير أدواتها المنغلقة والعنصرية وتقف في وجه استكمال الأحلام الصهيونية الأسطورية.

اليمين المتطرف الأميركي يجد مسوغاته لمواصلة إهانة العرب مسلمين ومسيحيين والطعن في موروثهم الديني والثقافي وتجريدهم من حقهم في مدينة مقدسة يجب أن تكون مفتوحة لكافة الأديان ووضعها تحت الهيمنة الصهيونية التي تتماشى مع تعاظم الهوس العنصري بشأن يهودية فلسطين الذي كان دافعا إلى تغيير ملامح المدينة العربية لتكتسي ثوبا آخر مليئا بالتزوير والخداع يشبه الفكرة الصهيونية بوجهها القبيح في عالم يعيد إنتاج عنصريته ويتجه نحو الدمار بدل إنقاذ نفسه من هاوية الانحدار عبر مدّ الجسور لبناء عالم إنساني.

13