الصوت يا صديقي لا يبقى إلا الصوت

الجمعة 2014/02/28

نغضب كثيرا ونحزن ويصيبنا اليأس أمام هذه الأجساد المتبعثرة، أجساد الرجال والنساء والأطفال، التي اُمتصت من عروقها مياه الحياة، جوعا أو تعذيبا في السجون. ونختنق حتى لا نكاد نحسّ بالهواء أمام أشلاء البيوت وغبار الأسمنت وتراب الأرض الذي أنهكته الطائرات والبراميل والدبابات والجرافات ورائحة البارود. ونكاد نبحث بكل جدية عن إشارة للحياة في وردة أو ابتسامة أو تفجّر نبع ماء وسط هذا الخراب، وعندما لانجد شيئا نعود إلى غضبنا ونبحث عن صوت، ليس إلا الصوت ما نبحث عنه في بؤس أرواحنا النازفة التي تبعثرت من أقصى درجات اليأس. وعندما نجد الصوت نصرخ، يا الله! ما لنا غيرك يا الله!، لكن الله لا يعيد الصوت، فلا نعرف إن كان قد سمعنا أم لا.

هذا هو ما أتخيله من حال السوريين طوال أزيد من ثلاث سنوات. فهل أنا الوحيد الذي يرى هذه الحال؟ لا أعتقد! فإن ما يعيشه السوريون اليوم فضيحة صارخة أمام ضمير العالم وأمام عيون الناس؛ ومن لايرى فقد عميت بصيرته. قبل أيام ظهر المغني “الملتزم”، مارسيل خليفة، على قناة لبنانية، وحين سأله المذيع عن رأيه بما يجري في سوريا قال مارسيل: “ما بدي شوف شي.. ما بقدر أتخيل زهرة تندعس أو طفل يندعس !” هكذا قال مارسيل أمام هول ما يجري في سوريا، لا يريد أن يرى شيئا، لا يريد أن يسمع شيئا، ولا يريد أن يقول شيئا ولا يريد أن يغني شيئا. وهو الذي قضى أكثر من أربعين عاما زاعما وقوفه إلى جانب المظلومين. لم يشأ مارسيل أن يرى؛ أن محمود درويش حاضرٌ في سوريا وأن السوريين استغاثوا بدرويش وبشعره الذي ملأ جدران سراقب وإدلب وكفرنبل ودرعا وحلب والميادين والغوطة وفي كل مكان مجروح في سوريا. لقد قام مارسيل خليفة بأفظع إثم يرتكبه فنان استغل محمود درويش وتخلى عنه، تخلى عن محمود درويش وخان روحه ومعاني شعره الجميلة، حين تركه وحيدا مع هؤلاء المقهورين عُرضة للتدمير بالبراميل وصواريخ الطائرات ودبابات الطاغية.

عندما كتبتُ عن تصريح مارسيل خليفة هذا؛ احتج أحد الأصدقاء قائلا: وماذا يمكن لمارسيل أن يفعل أمام هول الكارثة؟ ماذا يمكن فعلا لأي كان غير أولئك المقهورين على أرض سوريا أن يفعل أمام هذه الكارثة!.

الصوت يا صديقي، الصوت.. ألم تقل الشاعرة الإيرانية العظيمة “فروغ فرخزاد” : “صوت، صوت، صوت.. لا يبقى إلا الصوت”.


سينمائي وكاتب من فلسطين

15