الصورة اكتملت حين جلس الطفل بجانب قبر أمه وحيدا

كيف سينهض هذا الفتى بعد الجلسة؟ من سيواسيه في غيابها؟، بل كيف يمكن مواساته وكيف يمكن تعويضه عليها؟ كيف سيعود للبيت دون أن يقول أمي؟ وكيف ستكون حياته من دون عطفها ومن دون الدنانير التي كانت توفر له أبسط متطلباته؟
الثلاثاء 2019/04/30
تونسيون ينددون بالحادث المأسوي

ماذا يقول ولد في العاشرة من العمر، تقريبا، وهو جالس بجانب قبر والدته؟ وما هي الأفكار التي تدور بذهنه؟ بماذا يشعر؟ هل مازال قادرا على النهوض بعد تلك الجلسة من الحديث معها بعبراته ونظره لمكان يحتضن جسدها؟

تأثر التونسيون وعبّروا عن أسفهم وحزنهم للحادث المروري الذي ذهبت ضحيته 7 عاملات في قطاع الفلاحة، و5 رجال منهم أطفال في الريف التونسي. تداول الجميع جمل التنديد والاستنكار والسخط والتعاطف، وانتشرت صور وفيديوهات للحادث المأساوي والجنازات على جل صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.

لكن الصورة التي بدت خارقة بنظري لجميع عبارات الوصف مهما عظمت قدرتنا على التعبير هي تلك التي يجلس فيها طفل وحيد بجانب قبر والدته. لم أستطع تخيّل مشاعره ولا أفكاره.. تساءلت كيف ولماذا يجلس وحده في مجابهة مصابه الجلل ذاك؟ بدت لي تلك الصورة بمثابة المشهد الأخير الذي أتى على خلاصة الأحداث في عمل درامي، واكتملت من خلاله الحقيقة في الأذهان.

هذه الصورة وحدها قادرة على ترجمة الواقع ونقله بعمقه وبكل ما يتضمنه من تفاصيل قد لا نراها من الوهلة الأولى. النساء والرجال والأطفال الذين قصف حادث المرور أعمارهم وقطع طريقهم في اللهث وراء الوجبة اليومية لم يترك لهم الفقر خيارا لكسب القوت. كما لا وجود لوسائل نقل عمومية إنسانية تنقل العاملين الذين يقصدون مقار عملهم.

 هناك عربات مخصصة للبضائع تسكب فيها المياه لكي لا يجلسوا فيها ولكي تتسع لأكبر عدد ممكن من النساء، كونهن يمثلن إحصائيا غالبية اليد العاملة في القطاع الفلاحي بتونس، وتتم تعبئتهن ورصّهن لكي تحمل العربة أكبر عدد منهن ويقبض سائقها دنانير أكثر. ويحظى صاحب الضيعة بأكثر عدد من الأيادي، فيجني ثمار شقائها وفقرها.. ويضعها في جيبه.

العمل الفلاحي هو الخيار الوحيد للريفيين والريفيات. العمل الفلاحي بما فيه من شقاء واستنزاف للجسم ولصحته وقوته. العمل الفلاحي بما يلفّه في تونس من إهمال وتهميش من الجهات الرسمية جعلت منه قطاعا قاتلا بدل أن يكون مصدرا للغذاء والحياة.

هذا العمل الذي لا يستطيع أحيانا الكثير من الرجال تحمل تعبه وقسوة ظروفه، هو ملجأ النساء الريفيات الوحيد للبقاء على هامش الحياة، مثلما كن ومازلن على الدوام.

تخيلت حياة أم ذاك الولد صاحب الصورة. هي واحدة من آلاف الريفيات اللائي يعشن مثلها. نساء عاشرتهن وعشت معهن وأعرفهن جيدا لأن أمي إحداهن. تخيّلت كيف كانت تستفيق قبل الخيط الأول من الفجر لتستعد للذهاب إلى العمل الشاق بعد أن تتم لائحة من المهام المنزلية الشاقة بدورها لأنها مهام ريفية أيضا..

الصورة التي هزت مواقع التواصل الاجتماعي
الصورة التي هزت مواقع التواصل الاجتماعي

تأخذ ما بقي من فضلات الطعام في البيت لغدائها في العمل. ترتدي أيضا ما توفر في البيت من ملابس حتى الرجالية منها لتحتمي من البرد أو الشمس ومن وخز الحشرات والأعشاب في الضيعات..

وهذا بعد أن تنتهي من لائحة أخرى من مهام الأم، فتوقظ الأبناء والزوج وكل من في البيت وتوفر لهم فطورهم وتقدمه لهم وتُلبس أبناءها ثيابهم للذهاب إلى المدارس ثم تذهب لتبدأ العمل الثالث كعاملة في الفلاحة وهذا الأخير بمقابل مادي يسد نزرا قليلا من حاجاتها وحاجات أسرتها.

وبعد العودة تستهل مشوارا آخر من الأعمال المنزلية.. هذه يوميات غالبية ربات البيوت والأمهات في الريف.

ومن عاش في الريف التونسي وعاين ذلك المشهد الذي تعبّأ فيه العاملات في “عربات الموت” (مثلما أطلق عليها التونسيون نظرا لارتفاع أعداد ضحاياها اقتداء بقوارب الموت كون جميع ركابها فقراء يبحثون عن لقمة العيش) يمكنه أن يدرك عمق وفظاعة حادثة محافظة سيدي بوزيد الأخيرة، والتي لا تعد الأولى وحتما لن تكون الأخيرة. فهي بمثابة حفنة من الغبار التي نثرتها الرياح على عيون الناس من سطح كومة من الغبار. هي حلقة صغيرة من تلك الأكداس من المشكلات التي تعانيها المرأة الريفية.

من عاين مشهد ركوب العاملات في الفلاحة يوميا في عربات الموت وهن مكدسات كالبضائع أو الآلات التي تنقل من مكان إلى آخر يدرك أن هذه الحوادث واردة جدا وأن الموت قريب منهن جدا، ولكن ما يجعل تقبل ذلك صعبا أن يكون موت بعضهن مهينا مثل معيشتهن وعملهن بالرغم من أنهن فخر لعائلاتهن وشرف لأبنائهن وقوة داعمة لوطنهن..

تلك المتوفية هي واحدة من أمهات كثيرات يؤكدن لأمهات اليوم في المناطق الحضرية أن الأمومة ليست التقاط صور لحملهن في وضعيات مختلفة ونشرها على صفحات التواصل الاجتماعي وهن في أكمل مظاهر الأناقة والجمال. هن أمهات يثبتن يوميا بكفاحهن أن الدراسات والقصائد والأغاني وجل ما كتب وقيل في الأمومة يظل قليلا أمام ما تبذله الأم في الريف التي تشتغل في أصعب الأعمال لتؤمن دخلا لأسرتها.

هذه الأم خلّفت وراءها هذا الولد اليتيم الجامد بجانب قبرها وغيرها كثيرات تركن أيتاما خلفهن أو تركن أفرادا من عائلاتهن في كفالتهن.

تلك الأم ذهبت لعمل شاق تعلم أنه يمكن أن يكون قاتلا بطريقة أو بأخرى وكان دافعها الوحيد توفير ما يحتاجه أفراد أسرتها بالمقابل الزهيد الذي تقبضه من مشغلها، لكنها انتهت جثة ملقاة في الطريق وتركت ابنها وحيدا جاثما بجانب قبرها.

كيف سينهض هذا الفتى بعد الجلسة؟ من سيواسيه في غيابها؟، بل كيف يمكن مواساته وكيف يمكن تعويضه عليها؟ كيف سيعود للبيت دون أن يقول أمي؟ وكيف ستكون حياته من دون عطفها ومن دون الدنانير التي كانت توفر له أبسط متطلباته؟

هذه الصورة قادرة على إطلاق فيض من الأسئلة. لكن كيف يمكن أن تؤثر بجانب جل ما رافق الحادثة الأخيرة وما سبقها وما سيتلوها من مشكلات المرأة الريفية والعمال الفلاحين في اتخاذ قرارات رسمية تنصفهم؟

وأنا أنظر للصورة تمنّيت لو أمكنني الاعتذار من هذا الولد، لست أدري على ماذا أعتذر، لكنني أشعر أنني واحدة من المدينين له ولأمثاله ولأمهاتهم بالاعتذار.

21