الصورة الرقمية بين نجاعة الانتشار وفوضى القرصنة

الاثنين 2014/11/17
ثقافة ما بعد الرقمنة تشكو اعترافا بالملكية الفكرية

بروكسل - لاشك في أن المستحدثات التي صرنا نعيشها يوميا، والقفزات الهائلة على صعيد التكنولوجيا الرقمية، صارت تذهب بنا بعيدا إلى واقع جديد يتعلق بالانتشار المتعاظم، لتلك التكنولوجيا اليسيرة وقليلة التكلفة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على انتشار الصورة وتداولها والانتفاع منها، وصولا إلى الحقوق أو ما يعرف بالملكية الفكرية أو “الكوبي رايت”.

واقع كان بالأمس محاطا بكمّ من قوانين الملكية الفكرية قد أتاح أنماطا خاصة من التداول، قوامها السيطرة على انتشار الصورة ومعرفة مصدرها ومنتجها ومستهلكها، لكننا اليوم صرنا أمام تدفق غير مسبوق لتلكم الصور الرقمية التي اقترب العالم من فقدان السيطرة على منتجيها ومسوّقيها والمنتفعين منها، فضلا عن قرصنتها ونشرها وجني الأرباح من ورائها.

إن هذا الواقع الإشكالي المتعلق بملكية الصورة قد رافقه من الجانب الآخر عجز عن السيطرة على الاتجاهات الإعلامية والاجتماعية المرافقة لإنتاج الصور الرقمية، فقد كان الاشتغال في السابق منصبا على مفاعيل الصور وآثارها الاجتماعية والنفسية على المتلقين.

وكانت دراسات الأثر تنصبّ على هذه المعطيات، لكن زمام الأمور بدأ يأخذ مناحي أخرى فيما يتعلق بالتدفق الهائل للصور الرقمية، ليس أقلها العجز عن تتبع حقوق الملكية الفكرية والحق في التملك والاستثمار فيها، وهو ما يواجه العديد من المؤسسات والشــــركات المنـــتجة لهذا النوع من الخـــطاب.

لقد صرنا أمام إشكاليات تتعلق بسهولة تداول ذلك التدفق، ونشره تفاعليا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل التي تستخدم الرقمنة في نشر الصور، وهو الذي طالما كان موضوعا أساسيا من بين التحديات التي تواجه مؤسسات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في جلسات العمل المتواصلة مع الجانب الصيني، لكون الصين أحد أكبر المصادر في العالم في عدم الالتزام بحقوق الملكية الفكرية، وفوضى القرصـــنة والاستثـــمار بالعلامات التـــجارية.

صرنا اليوم نشهد واقعا جديدا، قوامه أن المستحدثات في مجال التكنولوجيا باتت بدورها أداة مساعدة على الخروقات

لكن الصين ليست اللاعب الوحيد في هذا المجال، إذ أن الأمر لا ينحصر فقط على مستوى الدول، بل إنه قد يتعلق بأفراد معدودين أو أكثر من ممتهني القرصنة الرقمية، واختراق حقوق الملكية الفكرية ونشر الصور المأخوذة من مصادرها بهذه الطريقة أو تلك.

لعل هذا الواقع المتعلق بثقافة ما بعد الرقمنة، ألا وهو استسهال تداول الصور وصرف النظر بشكل شبه تامّ عن حقوق ملكيتها ومنتجيها والرخص المتعلقة بالتداول، قد ألقى بظلال حادّة على استراتيجيا عـــالمية مشوشة تتعلق بمن ينـــتج الـــصورة الرقمية ومن يسوقـــها ومـــن يستهلكها، لـــكن بالمقابل وبسبب اللجوء إلى أقصر الطرق وأسهلها صار الانتحال الرقمي علامة فارقة لزمننا الــحالي، وامتلاك “الكودات” الــتي تسهل الدخول على المنظومات الرقمية للصـــور، هو أسهل الحلول وأكثـــرها تـــداولا.

وفي المقابل صرنا نشهد أيضا واقعا جديدا، قوامه أن المستحدثات في مجال التكنولوجيا هي الأخرى صارت أداة مساعدة لهذه الخروقات.

فمثلا صرنا نسمع مؤخرا تحذيرات من مخاطر النظارات الرقمية متعددة الوظائف، التي قد يستخدمها البعض في قرصنة ونسخ الأفلام المعروضة حديثا في الصالات، رغم أن هذه النظارات الرقمية مازالت تحبو، وهي في طريقها إلى الرواج التجاري في السنوات المقبلة.

لعل الاستراتيجيا المتعلقة بالصور الرقمية سواء الصحفية/الفوتوغرافية أو السينمائية كلها صارت عرضة لمواجهة هذا الواقع، ولم تعد أنظمة الحماية كافية للحيلولة دون حدوث العديد من الاختراقات التي صارت أمرا واقعا يوميا، يتطلب في الوقت نفسه استراتيجيات مقابلة.

وربما كانت أداة التشفير الرقمي بديلا، إلاّ أنها لم تفلح في الإحاطة بجميع مفردات المشهد بالغ التشعب، والذي ليس من اليسير السيطرة عليه في ظل تكاثر واحترافية من يقومون بتلك الأنشطة التي صارت أمرا واقعا، لا سبيل إلا التعاطي معه والتسليم به.

16