الصورة السيلفي في الذاكرة ويوميات الإنسان حول العالم

الأحد 2015/08/02
هل أمسك رامبراندت هاتفا ذكيا وصور نفسه؟

معرض عن سيلفي القرن السابع عشر، يرد في خبر عابر في الوكالات، ويقول إنه سيعرض لوحات سيلفي رسمها كبار الفنانين في العالم، قبل قرون، يمكن اعتبارها “سيلفي” منوهاً إلى أنه سيفتتح أبوابه في يوم 8 أكتوبر في موريتشيوس Mauritshuis التي تضم إحدى أهم مجموعات العصر الذهبي للفن الهولندي في العالم ويستمر حتى الثالث من يناير من العام القادم 2016.

هذا الخبر يقود الإنسان لتذكر عمل المفكر الفرنسي الراحل ميشيل فوكو في كتابه الرصين “الكلمات والأشياء” الذي تركّز على القيام بتحليل بصري تأويلي من نوع ما، للوحة “الوصيفات/ Las Meninas” للفنان الإسباني دييغو فيلاثكيث والتي رسمت في العام 1656.

تلك اللوحة التي طالما اعتبرت من أكثر اللوحات قيمة فنية ومعرفية في التاريخ. حيث أطلق عليها الرسام الإنجليزي توماس لورنس تسمية “فلسفة الفن”. وجعلها فوكو من خلال قراءة بنيتها المشهدية مدخلاً لفهم التحول الذي بدأ يصيب التفكير الأوروبي العام في المرحلة التي رسمت فيها.

تصوير الذات

قراءة البعد الفلسفي في المنتوج الفني المرئي، والخروج من هذه القراءة لبناء تصورات عامة، عملية شاقة، ولكنها ممتعة في آنٍ معاً، إذا ما تمّ الارتكاز إلى تحليل المرئي بدقة، وبما يجعل المشاهد العادي لهذا المنتوج يدرك أن نظرته الأولى للوحة كمثال، هي نظرة سطحية حكماً، إذا لم يدقق بالتفاصيل البنائية.

ولهذا فإن ما يأخذه قارئ فضولي غير مهتم بالفلسفة من تحليل فوكو للوحة “الوصيفات”، يتكرس في ضرورة أن يتعمق مرات ومرات في اللوحة.

ليس فقط في هذه اللوحة التي أدى تعقيدها وغموضها ومدى المعاني التي قد تستوحى من شخصياتها المرسومة وزوايا رسمها، إلى جعلها إحدى أكثر الأعمال التي تمت الإشارة إليها في تاريخ اللوحات الفنية، بل أيّ لوحة أو صورة، وما ينطبق على العمل الذي اختاره فوكو ليدلل على ركيزة “التشابهات” الراسخة في الفكر الغربي، ينطبق أيضاً على كل المرئي الذي يستغرقنا، فنحن وللأسف أسرى للقراءة السطحية للمرئي، ولظواهره أيضاً، ونحن مهووسون بالإحالات السريعة، فكل شيء قابل للتفسير وفق تأويلات محدودة، ولكنها معممة ومسوّقة بطريقة تفتك بالاحتمالات المتعددة للتأويلات الأخرى.

الدراسة التي أجرتها الرابطة الأميركية للطب النفسي APA، تؤكد أن انتشار ظاهرة التقاط الصورة للذات، تعد مؤشرا على الإصابة باضطراب عقلي تمت تسميته بـ"selfitis" يعكس رغبة جامحة في "التعويض عن انعدام الثقة بالنفس وفجوة في العلاقة الحميمة لدى من يمارسها"

ربما يكون هذا هو التعبير الأشد صراحة عمّا نتعرض له حين نقارب ظاهرة بسيطة تحولت إلى هوس بشري عالمي، كظاهرة صور “السيلفي”، فكل القراءات التي عالجت الأمر، نظرت إليه من خلال كونه وباء بشريا غير مؤذٍ، قد يؤدي إلى وقوع حوادث عابرة لمن يخاطرون بالتصوير الشخصي في مواقع خطرة، وبعض هذه القراءات توقف عند عملية التسويق الشخصي، وخاصة تلك التي تمارسها النساء بعد إجراء عمليات التجميل، ولعل أشد القراءات نزوعاً إلى القسرية، ووضعها على “سرير بروكست”، هي تلك التي جعلت من هواة تصوير السيلفي والمكثرين منه تحديداً مرضى نفسيين.

فبحسب دراسة أجرتها الرابطة الأميركية للطب النفسي APA، فإن انتشار هذه الظاهرة يعد مؤشراً على الإصابة باضطراب عقلي تمت تسميته بـ”selfitis” يعكس رغبة جامحة في “التعويض عن انعدام الثقة بالنفس وفجوة في العلاقة الحميمة لدى من يمارسها.

وقد يتهم البحث المبالغ فيه عن تأصيلٍ من نوعٍ ما للظاهرة، بالتفكير السطحي، على عكس ما يفترض الكثيرون، وربما يرى البعض في هذا القول حكم قيمة على تلك الجهود التي بذلت لإثبات أن ظاهرة “السيلفي” كما تتم حالياً ليست بجديدة، بل ترجع إلى عام 1926 وهي تعود لزوجين بريطانيين يمسكان بأداة مثل عصاة السيلفي، ويصوران نفسيهما في أحد الشوارع. خاصة وأن تاريخ التصوير قد تحدث مراراً عن تلك الصور التي كان المصورون يلتقطونها لأنفسهم من خلال جعل الكاميرا تلتقط مشهدهم وهم يقفون أمام المرآة.

قاموس أوكسفورد الإنكليزي المرجعي لم يذهب إلى أيّ شكلٍ من أشكال المبالغة حينما تعاطى مع تعبير سيلفي (كلمة العام 2013) وأعطاه تعريفاً توصيفياً محدداً يقول بأنه “صورة ملتقطة ذاتياً بواسطة هاتف ذكي أو (ويبكام) وتنشر على مواقع للتواصل الاجتماعي”، فقد بني التعريف من خلال ارتباط هذه الظاهرة، بظاهرة أخرى هي ظاهرة “مواقع التواصل الاجتماعي” التي غيرت ومازالت، الكثير من أشكال التواصل بين البشر، كما أنها مكّنت جميع البشر من اعتلاء المنبر الشخصي، لممارسة القول، عبر اللغة وعبر الصورة.

رامبراندت يرسم نفسه كبورتريه من خلال النظر في المرآة

مشروع المتحف الهولندي

التفكير البشري عموماً مازال رهين أطر عامة كالتقابلات والتشابهات والمطابقات، وبحسب فوكو الذي ركز محرقه التحليلي على الفكر الغربي، فإنه “حتى نهاية القرن السادس عشر، لعب التشابه دور الباني في المعرفة الثقافية الغربية، فهو الذي قاد في جزء كبير تفسير النصوص وتأويلها، وهو الذي ينظم لعبة الرموز، وسمح بمعرفة الأشياء المرئية، واللامرئية، وقاد فن تمثيلها وتصوّرها”.

وضمن هذا السياق يمكن فهم سعي المتحف الهولندي لكشف أن جذور ظاهرة التصوير السيلفي ترجع إلى قرون مضت، وتحديداً إلى القرن السابع عشر، من خلال معرض ينوي إقامته في لاهاي، يقدم فيه مجموعة لوحات هولندية رسمها فنانون كبار لأنفسهم حيث كان تصوير اللوحة الشخصية شائعاً بشكل خاص بين الرسامين الهولنديين في تلك الفترة. ورسم رامبراندت وحده العشرات من هذه اللوحات على مدى حياته. من بينهم إضافة إلى رامبراندت نجد يان ستين وكارل فابريتوس وجيرار دو.

بيان المتحف عن هذا المعرض وكما نقلت وكالة رويترز يقول “إنه في الوقت الذي يستطيع أي شخص يملك هاتفا ذكيا التقاط صورة سيلفي اليوم فإن رسم صورة شخصية للذات كان في الماضي انعكاساً للمهارة العالية”. ويضيف البيان “لكنّ هناك شيئاً واحداً ظل دون تغيير: هو حقيقة أن صانعي الصورة الشخصية عليهم اختيار الشكل الذي يريدون أن يبدوا عليه”.

التدقيق في إحالة السيلفي إلى اللوحات الشخصية (البورتريه) يبدو أشبه بعملية تسويقية تجارية أكثر منه بحثاً في جذور ظاهرة السيلفي، ففن البورتريه قائم بذاته، وقيام الفنانين برسم ذواتهم يأتي ضمن هذ السياق، كما هو حال المصورين الفوتوغرافيين الذين يصورون الوجوه، ولكنهم يصورون أنفسهم من خلال الكاميرا ذاتها والتي يتم توقيت التقاطها وحدها للصورة أوتوماتيكاً، أو من خلال الوقوف أمام المرآة وجعل الكاميرا تلتقط الصورة الظاهرة فيها.

ما فعله فيلاثكيث في لوحته هو تغيير في منطق التعاطي مع المرآة، فبينما كانت المرايا في لوحات الفن الهولندي بحسب فوكو “تلعب دور المزاوجة : فهي تكرر ما سبق أن قدم للمرة الأولى في اللوحة، ولكن داخل مكان غير حقيقي، معدّلٍ مقلّصٍ، منحنٍ. وكنا نرى فيها الشيء نفسه الذي نراه في ابتداء اللوحة، ولكن يكون مفككاً ومركباً من جديد وفق قانون آخر”، فإن فيلاثكيث، الذي وضع نفسه (ضمن منطق السيلفي التشكيلي) داخل إطار مرآة، تنقل ما يجب على اللوحة أن تحتويه في إطار كونها تصوره.

المتحف الهولندي يسعى لكشف جذور ظاهرة التصوير السيلفي وإثبات أنها ترجع إلى قرون مضت، وتحديدا إلى القرن السابع عشر، من خلال معرض ينوي إقامته في لاهاي، يقدم فيه مجموعة لوحات هولندية رسمها فنانون كبار لأنفسهم

لنفكك الأمر من زاوية السيلفي ذاته، فما فعله رامبراندت حين قام برسم نفسه كبورتريه من خلال النظر في المرآة يشبه راهناً قيام الشخص بتصوير ذاته من خلال المرآة، ولكن الفضاء الذي يحيط بهذا الشخص، يبدو منعدماً لدى رامبراندت فكل ما يظهر خلفه هو فضاء لوني مجرد. بينما تقترب لوحة فيلاثكيث من صورة سيلفي أكثر حيوية ونشاطاً رغم أنها تقوم على نقل ما يقف أمام المرآة.

ومن خلال المقارنة بين سيلفي رامبراندت وسيلفي فيلاثكيث، نجد أنفسنا نذهب إلى السؤال: هل تمثل لوحات البورتريه للفنانين الهولنديين، أصلاً من نوع ما للصورة السيلفي؟ ربما يجيب البعض بنعم، في حال كان المعيار هو قيام الفنان/المصور برسم نفسه وتصويرها.

غير أن تجاوز هذه المعيارية نحو معايير أخرى بحسب التعريف الذي قدمه قاموس أوكسفورد الإنكليزي المرجعي، يجعلنا نجيب بلا.. لوحات الفنانين الهولنديين ليست من أصول السيلفي، كما أن لوحة فيلاثكيث ليست صورة سيلفي جماعية، رغم أن الفنان قد رسم نفسه فيها وحوله حاشية من القصر.

مسألة البحث عن الأصول هنا لا يجب أن تقسر فهمنا لأن يذهب في هذا الاتجاه، بناءً على نوابض التشابهات الراسخة في الفكر، لأن الظاهرة أبسط بكثير من كل هذا الاجتهاد. ربما يكفينا أن نراجع قواعد التقاط الصورة السيلفي، كي نرى الفرق بين ظاهرة عامة يمكن لأيّ شخص أن ينضم إليها، وبين أن يشتغل الفنان التشكيلي على البورتريه الشخصي، ضمن سياق عمل إبداعي كرس له جزءاً كبيراً من حياته.

موقع wikihow وببساطة علمية ومعرفية، أقل بكثير جداً، من كل ما ذهبت إليه تأويلات الجميع، يقدم لهواة التصوير السيلفي عدداً من القواعد التقنية الموجبة، من أجل صورة متقنة.

لوحات الفنانين الهولنديين ليست من أصول السيلفي
ومن بين هذه التعليمات التي ترجمها موقع (ثقف نفسك) تنبيهات خاصة أو وصفات جاهزة بزوايا التصوير، يقول فيها “خذ زاوية جيدة: قم بتجربة زوايا مختلفة بدلاً من التقاط الصورة وأنت وجهاً لوجه مع الكاميرا، لإظهار المزايا الخاصة بك، مِل قليلاً إلى اليمين أو الشمال أعلى برأسك قليلاً بعيداً عن الكاميرا حتى تبدو عيناك أكبر وتبدو بأنف أصغر حتى تتجنب أن يبدو أنفك كأنف الخنزير بالصورة، ويجب أن تتعرف على الجانب الجيد الذي يكون به شكل وجهك أجمل بالصورة، فقم مثلاً بأخذ صورة لوجهك في هذا الوضع لتتأكد من أن الصورة سوف تكون جيدة بهذا الاتجاه”.

تعليمات للسيلفي

لعل الطريف في تنبيهات الموقع، أن جوانبها الفنية، تبدو وكأنها قد كتبت لتتعارض مع كل ما قاله الباحثون عن أصول السيلفي في اللوحات الفنية، لنقرأ:

“هناك بعض الفنيات التي يجب أن تنتبه لها في كيف تصور سيلفي:

* يجب أن يتم التقاط الصورة في أمكنة ذات إضاءة جيدة، لتضمن أن تكون الصورة التي ستلتقطها كاملة الوضوح، فيمكنك الاعتماد على ضوء الشمس أو فلاش الكاميرا مثلاً، أو إضاءة جيدة بالغرفة إذا كنت في مكان مغلق.

* استخدم الكاميرا الخلفية للموبايل: حيث أن بعض الهواتف المحمولة يكون لها كاميرا خلفية، وكاميرا أمامية، فاحرص على استخدام الكاميرا الخلفية لصور السيلفي، حيث أن نسبة الوضوح تكون أكبر من الكاميرا الأمامية.

* لا تستخدم المرآة عند التقاط الصورة، إلا إذا لم يكن هناك حل غير استخدامها، كأن تقوم بالتقاط صورة كاملة لجسدك مثلاً.

* اهتم بخلفية الصورة، وأحرص على أن يكون خلفك مشهد جميل وهادئ سواء زهور أو أشجار أو غيرها من المناظر أو الطبيعة.

* كن حذراً حتى لا يكون وراءك بالصورة شيء يجعلها قبيحة، بأن يظهر شخص يمر من خلفك بالصورة، أو أن يكون هناك كلب نائم وراءك، أو أن يكون أخوك الصغير واقفاً أو نائماً بجوارك مثلاً.

* صور السيلفي ليست لشخص واحد فقط، بل يمكنك أن تقوم بالتقاط صورة سيلفي لك ولأصدقائك معاً بأشكال ومناظر جميلة وجذابة”.

9