الصورة الغائبة: كيف بلورت الثقافة العربية صورة المراهق

الفن في الثقافة العربية طرق صورة المراهق مرات عديدة وتفاوتت درجة اقترابه من هذه العوالم بحسب الوعي وجدية التعاطي، لكنها في المجمل لم تضع مشرطها في العمق، ولم ترتق ثقوب جداره.
الأحد 2018/07/15
لوحة: شادي أبو سعدة

سلام عبدالعزيز ـ “مثل هدير الأمواج الذي يسبق العاصفة، هكذا تأتي همسات العواصف المتصاعدة لتنذرنا بالخطر الآتي من التغيرات المزاجية، نوبات الغضب المتكاثرة، التقلبات الذهنية المستمرة التي تجعل الولد خارج سيطرتنا، لذلك يجب أن تضع يدك على الحزام قبل أن تفقد كل شيء”، هذا ما وصف به جان جاك روسو أحد أهم كتاب عصر التنوير مرحلة المراهقة، بكل ما فيها من تفتّح وفوران، تجوال قلق داخل الذات وخارجها، ماء وكُرة نار شغوفة بأن تحس بماهيَّتها وموضعها من الكون.

وعلى الرغم من أن مرحلة المراهقة لها قابلية حياة دائمة في ذاكرة الإنسان، ومن السهل اشتعالها في أي لحظة واسترجاعها بحكم أنها المرحلة الأولى للانكشاف على الحياة واكتشافها، إلا أن صُناع السينما العربية خاصة في الألفية الثانية تبنوها من جانب قائم على جرعات مما يطلق عليه مصطلح “الأفلام الخفيفة” والتي تهدف بالدرجة الأولى إلى صناعة نجم والربح المادي السريع.

مما لا شك فيه أن صُنَّاع السينما في العالم العربي وجدوا ضالتهم في هذه المرحلة المليئة بالتحولات الفكرية والمشاعر المتقلبة والرؤية الضبابية للمستقبل، فهذه الفترة تملك الكثير من الدراما التي تتماشى مع قصص السينما، لذلك طرقوا بابها لكن دون جدية كافية ووعي مسؤول يفكك وجدان المراهق ويعكس عمق العوالم الصاخبة في وجدانه ووجوده. ولو حاولنا استرجاع عدد من الأفلام القديمة مثل «إحنا التلامذة» الذي تم إنتاجه سنة 1959م من إخراج عاطف سالم وشارك في كتابته عدد من العمالقة مثل نجيب محفوظ وتوفيق صالح لوجدنا جدية في الطرح ومقاربة لواقع المراهق في تلك الحقبة الزمنية. كان الفيلم يحلل اجتماعيا ويرصد واقعا عاشه الشباب في الخمسينات ويدين المجتمع وقوانينه ويدين أيضا غياب الأسرة عن رعاية أبنائها، وقسوتها في التعامل معهم، وتأثير تلك المعاملة على أكوانهم النضرة وفكرهم الغض.

منذ البدايات كانت مرحلة المراهقة في تلك الزمانات هدفا لأفلام عديدة، مثل “علموني الحب” و”شباب اليوم” و”المراهقات” وهو الأبرز بينهم، من إنتاج سنة 1960 حيث تدور أحداث الفيلم عن مرحلة المراهقة وحياة المراهقات، مشاعرهم وأحلامهم وتأثير الواقع الحياتي على فكرهم وقلوبهم البكر.

وفي السبعينات كان فيلم “عودة الابن الضال” أكثر صخبا وقوة، والذي قدم يوسف شاهين من خلاله كل مشاعره حيال الثورة وهزيمة 1967 وانتصار 1973م، من خلال مجموعة من المشاهد المفعمة بالحياة عكست حياة طلاب المرحلة الثانوية وأمانيهم، شتات مشاعرهم وتطلعاتهم إلى الحياة وتعاطيهم معها.

وفي الألفية الثانية يبدو فيلم “مذكرات مراهقة” أكثر حضورا، ورغم أن الفيلم حصل من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي على جائزة أفضل فيلم عربي في عام 2001، إلا أنه لم يكن موفقا في عكس الصورة الداخلية لأحلام المراهقات. حاول الفيلم أن يقترب كمعالجة سينمائية من عالمهم بخلق وجود عالمين: عالم واقعي تحياه البطلة وعالم خيالي تتمنى أن تعيشه إلا أنه ابتعد كثيرا عن الواقع، ففكرة الفيلم قامت على أساس أن البطلة تتمثل حياة كليوباترا وتحلم دائما بالفارس أنطونيو الذي يأتي بالفعل إليها، وهي فكرة خاطئة منذ البداية، لأن أنطونيو وكليوباترا لا يشكلان حالة رومانسية في وجدان المراهقات لا في عصرنا هذا ولا حتى في الخمسينات هذا من جانب، ومن جانب آخر أثار الفيلم انتقادات واسعة في جميع الأوساط العربية بسطحية التعاطي ولما احتواه من مشاهد العري والجنس على أمل أن تحقق للفيلم قدرا من الجماهيرية متجاوزا بذلك قيم المجتمع العربي، إلا أنه فشل في ذلك وتمت مقاضاة مُخرجته إيناس الدغيدي بتهمه خدش الحياء!

لوحة: وسام زكو
لوحة: وسام زكو

ومما لا شك فيه أيضا أن كل مرحلة غنية بفكرها ومشاعرها وتطلعات الإنسان خلاله، وبمقدار غنى تجربة المراهقة يفترض أن يكون انعكاسها في الفن، لولا أن ذلك لم يحدث كما هو مأمول.. وربما كانت الدراما التلفزيونية أوفر حظا في تناول صورة المراهق ومس شتات عوالمه بحكم التوظيف للأفكار وطريقة تناولها بأسلوب مشوق وأيضا المساحة الزمنية والوقت المتاح لها. وكأمثلة على ذلك في الدراما المصرية العديد من المسلسلات التي تناولت المراهق بدءا من مسلسل “الجامعة” إلى “كلمة سر” الذي يعرض حاليا على القنوات الفضائية، مرورا بالعديد من المسلسلات مثل “وجع البنات” و”ضوء أسود” و”الخيول تنام واقفة” كذلك المسلسلات السورية مثل مسلسل “جيران” و”أيام الدراسة” و”شيفون” وغيرها كثير، وخليجيا أيضا يكاد لا يخلو مسلسل خليجي من المرور على ذلك ربما آخرها كان المسلسل الكويتي “ذكريات لا تموت”، ورغم كل ما أوردناه من أمثله إلا أن الدراما لم تخض في الحياة الداخلية للمراهق بصورة تعكس وجدانه القلق وتتلمس صراعاته مع ذاته أولا ثم مع العالم الخارجي كما ينبغي لها أن تكون!

من كل ما سبق، تبدو الرواية كشكل أدبي أكثر قدرة على الاحتواء من سائر الأشكال الأدبية والفنون الأخرى، فحين يتم تناول شخصية مراهق في عمل روائي، ذلك يعني أن يستعين الكاتب بتجربته الحياتية والثقافية متلمسا عوالم التيه والاضطراب والبحث عن الذات، ويغدو الكاتب الروائي الذي خُلق للقلق بالقلق ذاته هو أقدر الناس على التماس مع هذه المرحلة، وهو الأقدر على أن يصهر مراراتها وعذوبتها بحرارة وارتعاش متواصلين.

نعم، ثمَّة روائيون كثيرون في عالمنا العربي، والأدب العربي زاخر بالاستثنائيين الذين قدّموا نتاجا ملفتا على صعيد الرواية، لكن الأغلبية لم تطرق عالم المراهق كنموذج أدبي، أو طرقته دون أن تعطه حقه من الاهتمام ليكتمل في الوحدة العضوية للرواية ويكون مادة قابلة للحياة والاستطالة في العمل الأدبي.

وبمقارنة بسيطة للسينما العالمية نجد أن البون شاسع بين الاثنين سواء في عالم السينما أو في الفن الروائي، وأبلغ مثال هو ما كتبه فيودور دوستويفسكي في رواية ‘المراهق’ وأسلوبه في وصف أدق تفاصيل الكون الداخلي للمراهق، من خلال نموذج لشخصيّة طالب مراهق، بآماله وأوهامه المتعلقة بالحياة والحب والثراء. وصف دقيق لكل خلجة من خلجات الحبّ والكره، والاعتراف والإنكار التي يمرّ بها مراهق تجاه والديه وعائلته ومحيطه، وتتبع ساحر للصراعات الداخلية التي يعيشها المراهق أركادي في أجواء عائلته وأوضاعه الحياتية التي يسعى للتمرّد عليها، وعلى لسان والد أركادي يقول “إنك تحلم بحياة لها دويّ، تحلم أن تحرق لا أدري ماذا، وأن تمزّق لا أدري ماذا، أن تسمو فوق روسيا كلها، أن تمرّ مرور سحابة ساطعة، أن تغرق العالم كله في الخوف والإعجاب”.

نخلص من هذا إلى أن الفن في الثقافة العربية طرق صورة المراهق مرات عديدة وتفاوتت درجة اقترابه من هذه العوالم بحسب الوعي وجدية التعاطي، لكنها في المجمل لم تضع مشرطها في العمق، ولم ترتق ثقوب جداره.

الفن يحتاج أن يضع إصبعه على قلب المراهق وفكره، ينحت فيهما بأسلوب يحتضن تيهه وتناقضاته، ليرسم من خلالها ملامح تطوره الفكري الخاص في لحظة مفصلية من حياته.

* كاتبة روائية من السعودية

ينشر المقال بالاتفاق مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

12