الصورة المسلوبة: موت رجل شرقي في طابور أوروبي

الأحد 2016/02/14
الضحية.. صورة مبتذلة

يبدو أن الصورة الإنسانية للاجئ السوري، قد طالها، بعد مضيّ فترة من القتل والتنكيل، الممارس على السوريين، من قبل نظام الأسد، خلل ما في صلتها الإنسانية مع العالم. فانخفاض قيمة الإنسان ليست هي المؤرّق الأول، للأخلاق البشرية حين الحروب.

إنها نية مسبقة من المجتمع الدولي في التعاطي مع صورة الضحية كصورة مبتذلة، ولا تحمل أيّ معنى مرافق لها من الحزن والألم جرّاء عرضها، صورة يشاح بالوجه عنها. وإن يكن العالم قد صدم لوهلة بصورة إيلان الكردي، إلا أنه بدأ ينسى هذا الجسم الغض الميت، تماماً بالسرعة ذاتها التي كان مسعوراً في تعاطيه الإنساني مع حادثة غرق الطفل السوري الهارب من الموت في بلده.
لقد نهش العالم صورة إيلان وتعدّى على حرمة جسده اللين الذائب على رمال شواطئ أوروبا. وكأن صورته هي سلعة لدر الدموع؛ يحب البعض من البشر أن يجدوا وقتاً في أوقات فراغهم للبكاء على تعاسة الإنسانية وتدهورها، وعلى تردي قيمة الإنسان في الشرق الأوسط والدول الفقيرة.

إلا أن أقسى مشهد يمكن تخيله، في أوروبا المتحضرة، هو مشهد وفاة رجل سوري يقف في البرد في طوابير طلب اللجوء، في ألمانيا، ومع تعدّد أنواع الموت يعتبر هذا الموت نوعاً متطوراً من الموت السوري العام، الموت الذي مهما حاول الغرب تطوير آلية توقّفه سيبقى موتاً قاسياً غارقاً في الدماء. ومع هذه الصورة المؤلمة للموت يبدو أن التعاطف مع السوريين قد وصل إلى مرحلة من الشفقة، ثم إلى مرحلة أخرى من الكراهية، تلك الكراهية التي تتلو الشفقة، هذه هي صورة اللاجئ عموماً، حتى أن بعضاً من السوريين أنفسهم يتبرأ من كونه يقيم في أوروبا لاجئاً، واضعاً أسباباً متنوعة للنفي والابتعاد القسري عن سوريا، منها أسباب عائلية للمتزوجين من أجنبيات، أو أسباب تتعلق بالدراسة أو العمل، يشعر هؤلاء بالإهانة من نعتهم بصفة اللاجئ أو حتى بصفة البطل.

العالم نهش صورة إيلان وتعدّى على حرمة جسده اللين الذائب على رمال شواطئ أوروبا
هم يريدون معيشة حياة روتينية أثناء الحرب والمقتلة السورية، والعودة بشكل هادئ حينما يحل السلام، وهم يتخلصون في لاوعيهم من الإهانة اللاحقة بصورة اللاجئ الذي يعتمد في حياته على معونات من منظمات العالم الإنسانية، أو من حكومات الدول الأوروبية، إنها حالة تشبه الغثيان يصاب بها هؤلاء القلة من السوريين الذين لم يكن لهم علاقة يوماً لا من قريب ولا من بعيد بهموم المواطن المسحوق والمقموع في فترة حكم نظام البعث.

بل يمنّي هؤلاء أنفسهم، بسهولة الدخول والخروج إلى البلاد متى أرادوا. ولا يضعون عائقاً في وجود نظام دكتاتوري سادي تلذذ حتى الآن بقتل ما يقارب المليون سوري، وفي تعذيب الآلاف وفي قتل زهرة الأمل مع كل صعود لروح طفل سوري إلى السماء، هؤلاء الذين لهم علاقاتهم الجيدة مع النظام الحاكم، وهم إفرازات بشرية تابعة له، لا يمكنهم أن يشعروا يوماً بشعور السوري المطالب بالكرامة، لأنهم يعتبرون أنفسهم غير مسلوبين من كرامتهم المتوفرة في العلاقات والمال والأنساب.

إن البشرية التي ترفض السوري ككائن معدوم الحقوق، هي البشرية ذاتها التي تسلب منه مقدراته، وهي البشرية التي تعيب عليه وجوده في الخيم، فأيّ مهرب يمكن أن يكون أمام أحذية البلاستيك الملوثة بالطين بين الخيم؟ أو حتى في البيوت الممنوحة للسوريين في الدول الأوروبية، إنه المهرب الذي لن يقود سوى إلى الحزن والسواد، بعد اقتلاع دامٍ.

شاعرة من فلسطين

11