الصورة النمطية للعرب في السينما

الجمعة 2017/11/24

تستحوذ قضايا العالم العربي والمتغيرات الدراماتيكية الحاصلة فيه على اهتمام العالم بشكل تصاعدي، وتنعكس هذه الظاهرة بشكل ملحوظ على المنتج الثقافي والفني، كأداة فاعلة لرصد تلك المتغيرات والتفاعلات.

وعلى صعيد السينما يشهد مهرجان الأفلام الوثائقية العالمي في مدينة أمستردام “IDFA”، الذي يُعَدّ أكبر مهرجان للأفلام الوثائقية في العالم، حضورا لافتا للأفلام العربية هذا العام، ضمن محور “وجهات نظر” الذي يسعى لتسليط الضوء على مشكلات العالم الثالث بواسطة صنّاع السينما، وتأمل إدارة المهرجان ذائع الصيت، في مواجهة القوالب الغربية النمطية التي تتجاهل تعقيدات العالم الناطق بالعربية ومدى علاقته الملتبسة بالآخر. وفي دورة هذا العام هناك 15 فيلما وثائقيا عربيا جديدا ترصد طبيعة ونمط المشكلات في بلدان عربية مختلفة، صنعها مخرجون عرب من بينها فيلم العراقي عباس فاضل “العراق سنة صفر”، وفيلم الجزائري مالك ابن إسماعيل “الصين لا تزال بعيدة”، إضافة طبعا إلى فيلم المصري محمد صيام “أمل”، الذي اختير كفيلم افتتاح لهذا العام، وكمرشح قويّ لجائزة أمستردام لحقوق الإنسان، وهو مؤشر على مدى المستوى المتطور الذي بلغته السينما الوثائقية العربية.

وتُعَد جائزة أمستردام لحقوق الإنسان جائزة دولية مهمة بدأت تحظى باهتمام صنّاع السينما في العالم، وتبلغ قيمتها 25 ألف دولار مخصصة من بلدية أمستردام تُمنح لفيلم وثائقي يجسد على أفضل وجه موضوع حقوق الإنسان والكفاح من أجلها وتدوين الانتهاكات الحاصلة في شأنها.

هل نعرف العالم العربي؟، هذا السؤال رفعه المهرجان في أروقته ودور العرض التي ستعرض فيها الأفلام وفي برنامجه الرئيس لهذا العام، بعد أن تم اختيار فيلم “أمل” للافتتاح الرسمي، وهو فيلم يتناول قصة فتاة مصرية مراهقة ومندفعة بحماس لتشارك في الاحتجاجات الكبرى التي جرت في ميدان التحرير وسط القاهرة، وتتعرض للقمع والمطاردة والتعنيف والسّحل من شعرها بطريقة وحشية وعدوانية على يد رجال السلطات القمعية والمحتجين الذكور على حد السواء.

وفي سعيه لكسر الصور النمطية التي سادت في الإعلام الغربي للأحداث والمتغيرات التي جرت في العالم العربي، يحاول المهرجان تقديم الصورة البديلة أو الخلفية لتلك الأحداث، وبدل الصور المنتشرة للغزو الأميركي للعراق في العام 2003، يسعى المهرجان، على سبيل المثال، لتقديم صورة بائع الكتب في شارع المتنبي الذي يتحدث عن العلاقة الملتبسة بين اللصوص والأدب، أو صورة مضخة المياه المعلبة التي تحاول العائلة تركيبها في الفناء الخلفي لسحب المياه أو الكتب المدرسية المعبأة بالمناهج الطائفية والدعاية السياسية للأحزاب، كما يظهر لنا فيلم المخرج العراقي محمد فاضل الطويل “العراق سنة صفر”، الذي يحاول القول إن الوطن هو الانغماس الحقيقي في مشكلاته اليومية وليس الدعائية، وكل ذلك بواسطة التقاطع بين صورة العائلة، التي تستمر حياتها اليوميّة على الرغم من التهديدات والمخاطر التي تمثلها الحرب، والوثيقة التاريخية.

وبدل الصور التي حرصت وسائل الإعلام الغربي على إشاعتها، يسعى برنامج “وجهات نظر” في المهرجان إلى التطرق لموضوعات هامّة ومن زوايا أخرى مختلفة تماما هذا العام، بعد أن ركز في العام الماضي على القضايا العرقية وأزمة الهوية.

ويبدو أن إصرار المهرجان هذا العام على تسليط الضوء الكاشف عن قضايا العالم العربي من وجهة نظر مخرجين عرب كان خيارا واضحا، بالنظر لمحور وجهات النظر وكمّ الأفلام العربية المختارة، إذ يحدد الغرب في الغالب وجهة نظره بواسطة الصور التي يقدّمها مخرجون غربيون، ولا بد من كسر هذه النمطية والاختلال إذا ما تجاوز العرب الأدوار النمطية لهم، إما كضحايا، أو كإرهابيين محتملين، وتبيان الصورة المختلفة جوهريا بواسطة أفلامهم.

كاتب عراقي

14