الصورة تساوي ألف كلمة لأن طبيعتها مزدوجة

الباحث ماهر عبدالمحسن يوضح أن ازدياد الاهتمام بالفنون البصرية، تضاعف في السنوات الأخيرة نتيجة سيطرة الصورة على مجمل عوالم الحياة المعاصرة.
الجمعة 2018/04/06
قوة مؤثرة

القاهرة - يحاول الباحث ماهر عبدالمحسن في كتابه “جماليات الصورة في السيميوطيقا والفينومينولوجيا” التأكيد على دلالات الصورة منذ العصور القديمة وحتى عصرنا الحالي، وقد تجلى ذلك عبر اللوحات الفنية، التي عبرت عن قوة تأثير الصورة في الواقع المعيش.

ويوضح أن ازدياد الاهتمام بالفنون البصرية، تضاعف في السنوات الأخيرة نتيجة سيطرة الصورة على مجمل عوالم الحياة المعاصرة، بما لديها من قدرة فائقة على التأثير تتجاوز ما يمكن أن تحدثه الكلمة من أثر، ولأن الصورة تعتمد على الإدراك البصري المباشر، بخلاف الكلمة التي تحتاج إلى اكتساب مهارة القراءة لإدراك معناها، إذ أنها تتميز بالقدرة على مخاطبة قطاع عريض من البشر تعجز العديد من الفنون الأخرى غير البصرية عن الوصول إليه.

 كما أن الطبيعة الرمزية للصورة بكافة أجناسها هي التي دفعت إلى القول إن صورة واحدة تساوي ألف كلمة، فما تقوله رواية في صفحات عدة يمكن للصورة السينمائية أن تقوله في لقطة واحدة، وذلك اعتمادا على طبيعتها الاختزالية الخاصة.

يتوقف المؤلف في كتابه، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة، أمام فكرة حيازة الصورة اهتماما كبيرا من قبل منظري الغرب ومفكريه؛ في المقابل فإنها لم تحظ بنفس القدر من الاهتمام من قبل المفكرين العرب، ويعود ذلك إلى هيمنة اللغوي على البصري في حقل الثقافة العربية وللتعقد المنهجي الذي تفرضه مقاربات الصورة.

 يقول عبدالمحسن “ما من شك أنه ثمة اختلاف جوهري بين الكلمة والصورة. فالصورة الذهنية التي تولدها الكلمة تختلف اختلافا كبيرا عن الصورة البصرية. وتكون دلالة الصورة ذات بعد مادي تفتقر إليه دلالة الكلمة وهو ما حدا بالبعض إلى القول إن الصورة تعبر عن الأشياء بينما تعبر الكلمة عن الأفكار.

الصورة تتميز بالقدرة على مخاطبة قطاع عريض من البشر تعجز العديد من الفنون الأخرى غير البصرية عن الوصول إليه

ولما كانت الصورة تتمتع بطبيعة خاصة، فإن الفنون البصرية تنشأ بالتبعية نتيجة لعمليات معقدة، تتداخل فيها عناصر مادية وروحية، ويمتد أثرها ليتجاوز الفرد والمجتمع ويشمل الإنسانية بعامة”.

يقدم المؤلف مثالا لرؤيته حول السينما، ويعتبرها صناعة وفنا، واقعا ووهما، منطقا وخيالا، ويرى أنه بناء على هذه الطبيعة المعقدة والمزدوجة للفنون البصرية انقسمت النظريات التي حاولت أن تؤسس جماليات بصرية وتضع القواعد لتفسر هذه الفنون بوصفها وسائط تعبيرية، واتجاهات مزدوجة أيضا أبرزها علم الاستيطيقا والاتجاه الفينومينولوجي.

إذ يحاول أنصار الاتجاه السيميوطيقي تطوير علم الاستيطيقا البصرية، بحيث يمكننا أن نفهم الشروط والعمليات التي تعمل الفنون المرئية بمقتضاها، بينما يحاول الفينومينولوجيون الذهاب إلى ما وراء ذلك للبحث في تلك اللحظات التي تصبح فيها لغة العلامة في الفنون المرئية علامة من نوع آخر، لا يمكن للسيميوطيقا التعامل معها. يقول “هكذا تعلمنا السيميوطيقا كيف تكون الفنون المرئية ممكنة، ولماذا تبدو عموما بالشكل الذي هي عليه؟ بينما تحاول الفينومينولوجيا أن تصف لنا القيمة والأهمية التي أحسسنا بها جميعا في لحظات معينة من التعايش مع هذه الفنون”.

يحاول الكتاب أيضا أن يجيب عن بعض الأسئلة من قبيل: إلى أي حد يعد التحليل السيميوطيقي هو المنهج المناسب لفهم ماهية الفنون المرئية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن تطوير منهج للتلقي البصري يجعل من كل من السيميوطيقا والفينومينولوجيا خطوتين متكاملتين في عملية واحدة، ومن دون أن يستبعد أحدهما الآخر.

ينقسم الكتاب إلى خمسة فصول، ويمكن اعتبار الثلاثة فصول الأولى بمثابة المقدمة النظرية للموضوع، بينما يأتي الفصلان الأخيران تطبيقا للمبادئ النظرية السابقة عليه. تهتم الفصول الأولى بتحديد المفاهيم، خاصة مفاهيم “الصورة”، “السيميوطيقا”، “الفينومينولوجيا”، وعلاقة هذه المفاهيم بالفنون عامة وبالفنون البصرية بنحو خاص.

ويذكر الكاتب أنه في بداية الستينات من القرن الماضي أعلن المؤرخ الفني جومبرتش عن نشأة “لغويات الصورة البصرية”، بالتوازي مع تاريخ الفن كمهمة ملحة، ثم في نهاية السبعينات والثمانينات أضافت السيميوطيقا التصويرية شيئا يعد بمثابة البداية الجديدة ويكشف الكتاب أنه في ما يتعلق بالفينومينولوجيا، فإن نهضتها الجمالية قد أتت سريعا لعدة عوامل: أهمها وجود دور مهم يلعبه الحدس في كل من علم الجمال والبحث الفينومينولوجي، فالعالم المعيش يعدّ عالما جماليا بنحو ما.

15