الصورة تُقلص مساحة الكلمة في الثقافة العربية

الناقد المغربي فريد الزاهي تناول في كتابه الفن العربي الحديث، وحاول الإجابة من خلاله عن أسئلة الصورة والتصور.
الثلاثاء 2018/04/17
مفارقات عن تاريخ الصورة في المغرب

أعيا إدمون دوتي سعيه إلى أخذ صورة لشابة مغربية جميلة من دكالة بداية القرن الماضي، حيث كان المغاربة يحرمون الصور ويخشون أن تُحبس أرواحهم على ذلك الورق. وصف دوتي ذلك في يومياته، فقال “إنَّ تلك المغربية من دكالة فاتنة حقا بفطرية شخصيتها. أما الأسمال التي تكتسي بها، فإنًّها لا تحجب أبدا طلاقة حركاتها ولطف أنوثتها. كانت في عينيها نظرة خوف من الجهاز الغريب، كما باقي المغاربة، من الذين التقطت لهم صورا، ففي ظن الكثيرين منهم أنَّ الصور تحبس أشكالهم، وتجعل من يملك صورهم يتحكم في تصرفاتهم”.

وروى الكاتب فريد الزاهي في كتابه “من الصورة إلى البصريّ. وقائع وتحولات” الكثير من المفارقات عن تاريخ الصورة في المغرب، منذ بداية عصر التصوير الفوتوغرافيّ وإلى يومنا الحالي، مستحضرا الكثير من التفاصيل التي عاشها المصور إدمون دوتي.

الكتاب صدر مؤخرا عن المركز الثقافي للكتاب بالدار البيضاء. تناول فيه الكاتب مراحل انحسار الكلمة أمام الصورة ابتداء من الرسم التسجيلي، وحتى عصرنا الرقمي في بحث أثنوغرافي عميق في أربعة أبواب. جاءت في الأول منها الصورة والحداثة البصرية، “أنَّ الصورة في العالم أضحت قضية إشكالية تتجاوز بشكل كبير اهتمامات المفكرين والباحثين والمثقفين”.

وحكى عن تاريخ الصورة في المغرب، والمعاناة الكبيرة التي واجهها المصورون لالتقاط صورة بسبب رفض المغاربة للتصوير آنذاك، ومعضلات التقاط صورة شمسية، التي تتطلب عادة كفاية من ضوء الشمس، ومدة اللقطة، وكبر آلة التصوير، التي تجعل التصوير أمرا صعبا. وعلى سبيل المثال صورة التقطها دوتي ليهودية مغربية، في حي الملاح، في إحدى قرى الأطلس. وقبل التصوير، وحالما دخل الحي اليهودي، اجتمعت نساء الحي حوله، رغبة منهن برؤية النصراني، كما ذكر دوتي.

وبسرعة كبرى يقول “أخذت صورة لإحداهن ذات قوام أخاذ”. ويعلق في يومياته عن هذا الحدث “لا يجب أن يفكر المرء في أن يطلب منهن اتخاذ وضعية ثابتة، لأخذ الصورة، وما أن رأت الأخريات العدسة تلمع، حتى هربن بهرج شديد، وعرجن على كل البيوت. كن يصرخن بأنني أمارس السحر”.

التواصل بلغة الصور
التواصل بلغة الصور

وقارن الزاهي بين العين وعدسة الكاميرا، والعلاقة بين التصور والصورة، معتبرا أنَّ الأخيرة تدخل في علاقة مباشرة مع الحواس من بابها الرئيسي ــ العين ــ والعين كما قال ابن حزم باب النفس إلى الشارع.

والمقارنة التي تعقد بين العين الجسدية والعين الفوتوغرافية، هي التي تكشف عن التباس الصورة، وقدرتها على مداراة الفكر، بل مداورته. إنَّها تنتج فكرا آخر يمكن تسميته بفكر اللحظي، والمباشر والحاضر وتمثل حضورا مباشرا للوعي.

ويشير الكاتب إلى “سوء حظ دوتي حين حاول تصوير أحد المساجد في المغرب في بدايات القرن الماضي، فتعرض للإهانة وكاد أن يضرب من قبل العامة، عندما اعترض فقيه الجامع على التصوير وأفتى بعدم إباحة تصويرالجامع، لأنَّ المصور نصراني، ولا يجوز ذلك دينيا، لأنَّه سيعرض المسجد للنجاسة عند دخوله باحته”.

ويشير المؤلف إلى أهمية الصورة لدى الإثنوغرافي بسبب تحولها لديه إلى صورة حدث، أو بالأصح إلى فعل تصويري أي إلى سياق ينتج أثرا للواقع، ويترك أثرا فيه عبر فعل فرجوي يصل حد الفضائحية.

ويعطي النموذج، لهذا “الحد الأقصى” من العنف الفضائحي، سلسلة الصور الكارتبوستالية، التي أنتجها الاستعمار الفرنسي بالجزائر لفتيات في أوضاع مكشوفة في القرن الماضي.

وأكد الكاتب وجود صراع حقيقي منذ بدايات القرن الماضي، وإلى يومنا الحاضر بين تصورين متناقضين للصورة بين الحضارة الأوروبية والعالم العربي. فالأولى تؤمن إيمانا مطلقا بالصورة، ومتشبعة بها، بينما يرى عالمنا العربي أنَّ العلامة اللغوية، هي أساس الثقافة، والمعرفة والصورة هي منبع المحرم والمكروه والفضائحية والإعلان غير المرغوب فيه عن المسكوت عنه.

  وعلل ذلك الاهتمام بتهميش الصورة لدى العرب، كون التهميش امتد من صدر الإسلام إلى بدايات القرن الماضي. اعتبر خلالها الناس في بلداننا أنَّ الأفكار والصور تنقل عبر اللغة، والثقافة تقوم على الكلمة المنطوقة، والمكتوبة فقط. ولذا فإن الفنون البصرية في الوطن العربي لا تزال تعاني من الإجحاف والظلم مقارنة بالجوائز، والاهتمام الذي يمنح للروايات والقصص والشعر والمقالة.

وتناول الزاهي في كتابه الفن العربي الحديث، وحاول الإجابة من خلاله عن أسئلة الصورة والتصور. وقدم إجاباته من خلال دراسات معمقة للوحات فنانين مصريين كمحمود سعيد وإنجي أفلاطون والفنان المغربي أحمد الشرقاوي والتونسي نجا المهداوي وغيرهم.

وتناول في الباب الثالث والرابع، برازخ الحداثة والمعاصرة في الفن العربي من خلال أعمال الفنانين فؤاد بلامين، مروان قصاب باشي، سبهان آدم وغيرهم.

وحاول الزاهي أن يستلهم رحلة المعنى المفتوح في الفن العربي المعاصر من خلال تجارب فنانين، كمنى حاطوم من فلسطين ومنير الفاطمي وحسن الشاعر من المغرب.

كتاب “من الصورة إلى البصري” للناقد فريد الزاهي أحد كتب النقد الفني المهمة، فقد استلهم فيه مؤلفه وسائل الفلسفة وطرقها، للإحاطة بعالم الصورة، والتصور البصري لدى الغربي والشرقي، وتأثيرات المعرفة البصرية في تشكيل الوعي والفكر والثقافة. كما أنَّه من جانب آخر نعى انحسار التعبير اللغوي في مقابل الصورة في العالم، فقد تم استبدال الكثير من الجمل اللغوية لدى المتراسلين في وسائل التواصل بلغة الصور.

15