الصورة والكلمة.. لغتان تتعايشان وتتنافسان

التعبير البشري يأخذ أشكالا عديدة، ويسلك طرقا مختلفة لإيصال الرسالة، لكنّه لا يحيد عن ثنائية الصورة والكلمة، في المنطوق والمقروء من جهة، والمنظور والمشاهد من جهة ثانية، وإن حاول الاستعانة بحواس أخرى على سبيل التأكيد أو التنوّع والإثراء، كالشمّ والتذوّق واللمس.
المفاضلة بين الكلمة والصورة، مسألة ليست بالبساطة التي نتخيّلها في جدوى الحسم، فهي تأخذ أبعادا متشعّبة ومتداخلة، فكل صورة لا تحتاج إلى تعليق، وكل تعليق لا يحتاج إلى صورة، في حضور ما يسمّى بالكتابة بالصورة من جهة، وما يعرف بالتصوير عبر الكتابة من جهة أخرى.
الثلاثاء 2016/05/31
خطاب لغوي قد يسقط في المغالطة والتأويل

الكلام يحتاج إلى نطق أو كتابة عبر منظومة رموز ودلالات يتّفق عليها في سياق نحوي، وتعرف بالحروف التي تشكّل العبارة المراد تبليغها، فيتمّ تلقّيها بالعين أو الأذن، كما أنّ الصورة تتلقّفها العين وترسلها إلى عين أخرى، وتصنع عبر الآلة أو التشكيل اللوني أو الحروفي.

هذا التلازم بين المنظور والمنطوق ـ وعلى بساطته الظاهريّة ـ يشكّل معضلة، هي غاية في التعقيد والتداخل، ممّا جعلها موضوع جدل ومحور نقاش، خصّصت له الدراسات وشهد العديد من الأطروحات النظرية والتطبيقات العملية، خصوصا في العصر الحديث الذي بلغت فيه وسائل الاتصال والتواصل ذروتها من ناحية تقنيات الصوت والصورة.

الفتوحات العلمية الحديثة والبحوث التطبيقية ذهبت بعيدا في دراسة ثنائية الكلمة والصورة في العقل البشري، حتى أوعزتها إلى اختلاف بين الجنسين في ما يعرف بذكورة الكلمة وأنوثة الصورة، كما تؤكدها دراسة الدكتور الأميركي ليونارد شلاين، جرّاح الأوعية الدموية في الرأس، والذي خلص إلى أنّ اختراع الأبجدية – أي الاستقلال عن ثقافة الصورة – قد غيّر تماماً هيمنة أحد نصفي الدماغ على وظيفته المعرفية، وأنّ الصور كانت تمثّل الوسائل الرئيسية للاتصالات في فجر التاريخ، وبعد اختراع الأبجدية تخلّت الصورة عن موقعها الذي احتلته الكلمة المكتوبة، وقد قاد ذلك حسب طرحه إلى أنّ وظيفة الفهم والإدراك قد انتقلت تدريجاً من النصف الأيمن للدماغ الذي هو خزّان الصور والعواطف، ويصفه بالأنثويّة، لقوّة المرأة في هذا الجانب، وتحولت إلى النصف الأيسر منه الذي يستوعب المجرّدات والأفكار والقيم ويصفه بالذكوريّة، مبرّراً انتصار الرجل بهذا التحوّل المعرفي بين نصفي الدماغ، فسادت حسب قوله القيم الذكورية في التاريخ، وأعلت الحضارات المعتمدة على الأبجدية من مكانة القيم المدونة والفلسفة والرياضيات والعلم النظري، ثم جاءت الصورة التلفزيونية حسب رأيه فأعادت لقيم النصف الأيمن من الدماغ فاعليتها فكادت كفّة القيم النسوية أن ترجّح، وأصبح عصر التلفزيون هو عصر المرأة أيضاً، حسب تعبير الباحث.
الكلمة والصورة، قطبان يتصلان وينفصلان عبر مجموعة علاقات معقّدة، يلعب فيها الموروث الثقافي والتراكم المعرفي والحضاري دورا كبيرا في أساليب التلقّي والاستيعاب، فالغرب الذي يمسك الآن بزمام التقدّم التكنولوجي، قد درّب عيون وآذان مواطنيه على كيفيّة التفاعل مع الصورة والكلمة، لكنّ المتلقّي في عالمنا العربي مازال يتخبّط بين الانبهار إلى حد التماهي من جهة، والرفض المطلق إلى حد المعاداة من جهة ثانية.

القول بأنّ العرب هم أصحاب ثقافة سمعيّة شفهيّة، تجلّ الكلمة المنطوقة وتحتفي بها أكثر من الصورة أو حتى الكتابة المخطوطة، قول فيه الكثير من الغلوّ وربما التحامل والتجنّي، على حد قول أحد الأكاديميين، ويبرّر رأيه هذا بتدفّق الصور وغزارتها في المنتوج الشعري، إضافة إلى الجانب التشكيلي المبهر في فن الخط الذي يتجاوز قصديّة المعنى ويتخطّاها نحو القيمة البصرية.

طبيعة نشوء وتكوّن المجتمعات العربية، ذات الأصول البدوية، قد أثّرت ـ في نظر الدارسين ـ من جهة ترجيح المنطوق وتفضيله على المنظور، بسبب ضعف الثقافة البصرية وتواضع مكوّناتها في البيئة الصحراوية على وجه الخصوص، وذلك على عكس الثقافات الأخرى التي كان لها نصيب أوفر في المعمار والحدائق والتماثيل.

الكلمة والصورة، جدل يتخطّى حاستي السمع والبصر، ويصب في الإدراك وآليات التلقّي والتفاعل، خصوصا وأنّ التداخل بين المفهومين حاصل منذ القدم، وزاد المجتمع الرقمي ووسائل التواصل من تعقيداته كحالة الزيت المصبوب على النار.

أهمية العبارة أو "تكلم حتى أراك"

الصورة غير قادرة على إزاحة الكلمة

مناصرو الكلمة على الصورة، يردّدون عبارة “في البدء كانت الكلمة ” فيما يشبه الإيمان القطعي والقناعة الراسخة، وذلك في تذكيرهم بما جاءت به الكتب السماوية القديمة، في نوع من الإجلال يبلغ حد التقديس لدى بعضهم في تأويلات وتفاسير كثيرة تأخذ بعدا صوفيّا.

يقول عبدالستار(مدرّس تعليم ابتدائي متقاعد) أنا من جيل تربّى على الكلمة المنطوقة والمكتوبة منذ الكتاتيب، ولا يزال صداها يرنّ في أذني، ثمّ تعلّمت كتابتها على اللوح في طقوس ممتعة تتعلّق بطريقة إعداد الحبر وتحضير الريشة.

ويبجّل غالبيّة من المتعلّمين، وهم عموما في منتصف العمر، الكلمة على الصورة متذرّعين بقيمتها كحامل علمي وتربوي، معتبرين أنّ الهوس بالصورة حالة سطحيّة وعارضة، أملتها ثقافة الإنترنت الميّالة إلى تغليب لغة الصورة، بسبب الكسل في القراءة وتراجع المطالعة الجديّة ذات الهم المعرفي.

الصورة هي اليوم عماد ما بات يطلق عليه المجتمع الإعلامي، فهي تقدم نفسها كمرجعية أولى وأخيرة، لا يقاس على سواها، بل إنها توهم المشاهد بأنها هي الواقع.

والمذهل في تدفّق الصور ـ كما يقول أحد الأكاديميين ـ هو قدرتها الفائقة على تعطيل الحواس الأخرى، وتحفيز الغريزة والمتعة، لأن تلقيها لا يتطلب جهداً أو تركيزاً، على خلاف ثقافة الكلمة، فهذه الأخيرة قائمة على توالي الكلمات، وهو الأمر الذي يتطلب تفكيك العلاقات العائمة بينها، بينما الصورة تعطى دفعة واحدة، ومن دون مقدمات.

يقول مصطفى عيساوي (كفيف وموظف في مقسم) أنا لم أفتح عيني إلاّ على الظلام الدامس منذ ولادتي، ولم أتعرّف على العالم إلاّ من خلال الكلمة المنطوقة والحرف الملموس عبر طريقة “برايل” التي تعلّمتها في ما بعد، فأنا لا أعرف معنى كلمة صورة، لكني أجد الكلمة ذات سحر لا يضاهى، وأخذني عشقي للكلمة نحو الغناء الذي أمارسه كهواية مع الأهل والأصدقاء.

الأمثلة كثيرة في تاريخ النزاعات الحديثة حول صور نبهت العالم إلى جرائم القتل والتهجير والعنصرية، فاختصرت عشرات الخطب والمجلدات

ولم يقتصر تمجيد الكلمة وتفضيلها على الصورة لدى مجموعة ليست قليلة من الناس، على العالم العربي ـ الذي غالبا ما ينعت أفراده بفقر الذائقة البصرية ـ بل مازلنا نقرأ ونسمع لأشخاص غربيين يدافعون بقوة وشراسة عن ثقافة الكلمة، ويحذّرون من انزلاق الناس نحو ما يروّج له بأنّ الصورة قد أمست بديلا عن الكلمة، بدليل أنّ الغرب بدأ يعود اليوم إلى الحكاية في الفنون الدرامية بمفهومها المنطوق والمقروء، بعد أن لفظ الطفرة البصرية والثرثرة اللونيّة وباقي طرق الإبهار والمخادعة البصرية، كما يقول أحد مخرجي المسرح.

ومن اللاّفت أنّ عددا لا بأس به من جيل الشباب الجامعي ـ والذي من المفترض أن يتعلّق أكثر بموجة الثقافة البصرية ـ مازال يعطي الكلمة حقها، ولا يكترث لما يروّج عن لغة الصورة، وفي هذا الصدد يقول عماد (طالب تونسي في كلية الآداب) “أستغرب من استغراب الكثيرين لتعلّقي بالقراءة وشغفي بالكتب، أكثر من المواد البصرية التي تتابعها غالبية جيلي”، ويضيف الطالب في كلية الآداب بتونس الذي التقيناه في مكتبة عمومية “أنا أعتبر أنّ الصورة تصادر مخيلتك وتتعسّف في فرض نفسها، أمّا الكلمة فتنفتح على حقل هائل من التخيلات والدلالات، وكلما زادت الصورة من “ثرثرتها” واقتحامها لحياة الناس، زاد التعلّق بالكلمة في القراءة والاستماع”.

الدوائر المعنيّة بالمناهج التربوية الموجهة للطفل في البلاد العربية، تعمل وبطرق متفاوتة على تثبيت ثقافة الكلمة لدى الناشئة بطرق بيداغوجية مبتكرة، وهذا ما لمسناه في الشارع الرئيسي للعاصمة تونس في تظاهرة حملت عنوان”أحفاد ابن خلدون يقرأون”.

وتأتي هذه المبادرات بعد أن دقّ رجال الاختصاص ناقوس الخطر، منبّهين إلى ضرورة إعادة الاعتبار للكلمة، ويقول أحدهم في هذا الصدد ” لقد تحولنا من شمولية اللغة، والقدرة الكبيرة لخطابها على استيعاب المتغيّر الثقافي، إلى الإدراك المرئي عبر سلسلة من عمليات اختزال هذا المتغيّر، وقولبته وفق منظور الوصف المتوجه نحوه، وتغييب تفاصيل المفردات المعرفية في زخرف المظهر اللوني الساحر، فبدأت مفردات اللغة تَنْسَلُّ من بين أيدينا، بعد أن أصبحت دقة المشهد الصوري معيارًا لتحديد فحوى الخطاب المعرفي المصاحب للخطاب الصوري”.

بلاغة الصورة كلغة عالمية

لغة الصورة لا تحتاج غير النظر إليها

الصورة لا تحتاج إلى مترجم ولسان وقاموس، ولا حتى إلى معلّق يمكن أن يلوي عنقها نحو مآرب أخرى، والباحثون يؤكدون ـ بما لا يقبل الشك ـ على تضاؤل وانحصار الخطاب اللغوي التقليدي، بعد أن برز الخطاب الصوري الذي لم يعد يفتقر إلى آليات اللغة، وقواعد النحو، وضوابط البلاغة والبيان؛ لتداول المفردة المعرفية، وضمان وصولها إلى آخر، وبدون تشويه في المحتوى أو الدلالة.

لا أحد يجادل اليوم في المكانة التي أصبحت تحتلها الصورة لدى الإنسان المعاصر، لقد أصبحت تحيط به من كل جانب، وهذا أمر نستشفه بسهولة دونما اللجوء إلى الحجج والبراهين. ويتفق نقّاد ودارسون على أنّ العصر الذي نعيش فيه يسير بسرعة نحو تشكيل ما بات يعرف بحضارة الصورة وإنسان الصورة.

يتم عموما إنتاج الصورة من أجل الإعلام ، كالصورة الصحافية والوثائقية، أو بغرض الترفيه كالرسوم المتحركة والأفلام والأغاني المصورة، أو التأثير والانطباع كاللوحات التشكيلية والمنحوتات، أو بغرض البيع كالصورة الدعائيّة، فهي تحتلّ حياة البشر من كل حدب وصوب، ومن يتجاهلها يصبح مثل النعامة التي تخفي رأسها في الرمال.

يقول رمزي وهو مدوّن وناشط في مواقع التواصل “إنّ من أفضال الصورة على ثورات الربيع العربي، هي أنها أوصلت رسالة المحتجين في مشارق الدنيا ومغاربها، ومن دون مواربة أو تحريف أو تأويل، كما يحدث عادة في التقارير الصحفية والكتابات الانطباعية.

ويقول خالد (مصوّر فوتوغرافي لوكالة أنباء أوروبية)”لم تفارقني آلة التصوير منذ مرحلة الهواية، ولم أجد موضوعا إلاّ وكتبته بالصورة في أقل من عشر ثوان، ممّا يختصر حمولة من الكتب وساعات طويلة من الأحاديث التوصيفية”، ثم يضيف خالد معلّقا وممازحا “لا تنس أنّي ألثغ في كلامي وأعاني من التأتأة في النطق، وهذه الآلة اختصرت علي الكثير”.

الباحثون والمنظّرون في مسألة الصورة وأسبقيتها في تبليغ الرسالة، يستشهدون بدلالاتها في المعابد والديانات القديمة والكتابات الأولى التي تستخدم الرسم قبل الرمز الصوتي، ويدلّلون على كلامهم بما ذهب إليه أرسطو من أنّ كل شيء مصنوع لابد له من صورة، أي شكل ومادة يتركب منها، فلا الصورة تستغني في وجودها عن المادة أو الشكل، ولا المادة يمكن أن توجد بالفعل دون صورة.

الغرب بدأ يعود اليوم إلى الحكاية في الفنون الدرامية بمفهومها المنطوق والمقروء، بعد أن لفظ الطفرة البصرية والثرثرة اللونية

الهيمنة التي نشهدها اليوم من قبل الصورة في القرية الكونية الواحدة، باتت أمرا واقعا ولا مناص منه، سواء أكان في المنزل، أو في مكان العمل، فهي الأداة الرئيسة في التلفزيون وهو ينقل نشرات الأخبار والأحداث اليومية في العالم، كما هي الأداة الرئيسة الفاعلة في جهاز الكمبيوتر .

وقد أكد الخبراء المختصون أن الصورة قد لعبت دورا في مجمل النزاعات والحروب التي شهدها العالم مطلع الألفية الثالثة بوتيرة عالية، فكانت هناك حرب الصورة الإلكترونية، إلى جانب شتى أدوات الحروب التقليدية المعروفة، وإذا كانت الكلمة تشكّل رأياً عاماً حتى وقت قريب، فإن دور الصورة الإلكترونية برز على السطح دفعة واحدة، ليكون تأثيرها مضافاً إلى تلك الدرجة التي صارت فيها الصورة الإلكترونية الواحدة تؤدي دور معجم لغوي بأكمله، لاسيما إذا علمنا أن آلاف الخطب والمقالات والدراسات لا يمكن لها أن تزيل تأثير صورة طفل أصابته رصاصة، والأمثلة كثيرة في تاريخ النزاعات الحديثة حول صور نبّهت العالم إلى جرائم القتل والتهجير والعنصرية، فاختصرت عشرات الخطب والمجلّدات، لعلّ أبرزها صورة جثّة الطفل السوري التي هزّت الوجدان العالمي.

وقد يعتقد البعض أنّ العرب لم يتعرّفوا إلى عصر الصورة إلا مؤخراً مع تطور الصور الفوتوغرافية وتحولها إلى رقمية يمكن تشاركها ونشرها حول العالم في ثوان، لكنّ الحقيقة أن الثقافة العربية لها علاقة بالصورة منذ معرفة النسخ، ويقول أحد الباحثين في هذا الصدد إنّ النسّاخين كانوا يرسمون صورة داخل متن الكتاب كجزء لا يتجزأ منه، وعلى عكس ما يقوله كثيرون لم تكن الصورة بعيدة عن الكتابة، وبالرجوع إلى مقامات الحريري وألف ليلة وليلة وغيرهما من الكتب المكتوبة منذ القرون القديمة نجد الصورة عنصراً أساسياً داخل بنية النص الذي يقوم على جانبين أساسيين متجاورين ذهني وبصري، ولا تخلو مخطوطة قديمة من الصور ذات الدلالة والالتصاق بالموضوع المطروح.

12