الصور الإيضاحية تعزّز العملية التعليمية أم تبدّدها

أغلب المدرسين يثمّنون دور الصورة باعتبارها من أفضل الأساليب التربوية لتطوير المهارات اللغوية والحسابية لدى الأطفال في مراحل الدراسة المبكرة.
الجمعة 2020/10/02
حين ينظر الطفل للصورة تبدو سعادته واضحة للعيان

تمثل الصور حلقة الوصل بين الطفل وعالم المعرفة، فمن خلالها يتعلم الكثير من العبر والدروس حول العالم المحيط به، إضافة إلى أنها تساهم في نمو إدراكه المعرفي والحسّي والعاطفي، وتجعله يميز بين المشاعر السلبية والإيجابية، لكنّ بعض الباحثين يثقون في أن الصورة تمثل أيضا عاملا لتشتيت ذهن الطفل وقلة تركيزه.

طوّر الخبراء عبر السنين أساليب وأنماطا مختلفة لتسهيل عملية التعليم في مرحلة الطفولة، وتوضيح المعلومات في الكتاب المدرسي، الذي قد يبدو مملا للأطفال.

وهناك أبحاث علمية متعددة تقول إن الصور تعد شكلا من أشكال التدريب المحفز للمدارك العقلية، بما يساعد الذهن على فهم المواقف عبر تلك الرسائل والإشارات البلاغية للصور.

ويؤكد الخبراء التربيون والأكاديميون على فاعلية الصور والرسومات الإيضاحية ونجاحها في تعزيز قابلية التعلم لدى الأطفال وحملهم على الفهم بشكل أفضل، إضافة إلى أنها تساهم بشكل كبير في تنمية مهارات التحدث والتواصل لديهم.

ويثمّن معظم المدرسين تقريبا دور الصورة باعتبارها من أفضل الأساليب التربوية لتطوير المهارات اللغوية والحسابية لدى الأطفال في مراحل الدراسة المبكرة، لكنهم يدركون أيضا أن لها آثارا سلبية.

نعيمة رحومة: الصورة تساهم في إيصال المعلومة، لكنها تعيق ملكة الخيال
نعيمة رحومة: الصورة تساهم في إيصال المعلومة، لكنها تعيق ملكة الخيال

وقالت نعيمة رحومة، مرافقة تربوية لذوي الاحتياجات الخاصة، “بحكم تجربتي في هذا الميدان أعتقد أن للصورة دورا كبيرا في توصيل المعلومة للطفل لأن فيها حركة، وفيها ألوان وفيها بلاغة، ولهذا يقال أحيانا إن صورة خير من ألف كلمة”.

وأضافت رحومة لـ”العرب”، “تبدأ علاقة الطفل مع الصورة بفضل التلفزيون، فنحن نميل إلى التخلص من مشاغبات أطفالنا من خلال محاولة إلهائهم بمشاهدة أفلام الرسوم المتحركة سواء عبر جهاز التلفزيون أو تطبيقات الهواتف الذكية، ونلاحظ أن الطفل يمكن أن يردد حروف الأبجدية بلغات أجنبية وأيضا بعض الأغاني بفضل هذه المشاهدات المبنية على مجموعة من الصور”.

وتابعت “عند قراءة قصة للطفل على سبيل المثال، فهو يحاول خلق صور لها في ذهنه عبر مخيلته الصغيرة، لكن حينما يتصفحها بيديه، فإنه يحاول التوقف بين الحين والآخر عند صور الشخصيات الموجودة فيها ويستوعب الحوارات المكتوبة طبقا لما ستعكسه تلك الصور، وهذا الأمر ينطبق أيضا على الكتاب المدرسي، فالتلميذ في بداية مراحل التعليم يكون أكثر انتباها للصور وكل تركيزه منصب حولها، حتى أنه يتعلم كيف يعبر عن نفسه من خلالها”.

لكن رحومة تصف أيضا الصورة بأنها السلاح ذو حدين: فهي من ناحية تساهم في إيصال المعلومة للطفل وتبسيطها له بأيسر السبل، لكنها من ناحية أخرى يمكن أن تعيق نمو ملكة الخيال لديه، ولهذا لا بد من المراوحة بين الأسلوب السردي والنظري في محاولة إيصال المعلومة للطفل، حتى يكون قادرا على استخدام مخيلته في التفكير والتحليل واستخلاص العبر.

وأكدت رحومة أن “الصورة في بعض الأحيان تساهم في تشتت الطفل ذهنيا، لاسيما الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة المصابين بالتوحد أو فرط الحركة أو غيرها من الأمراض السلوكية، وينطبق هذا الأمر كذلك على الأطفال العاديين، فمعظم الأطفال يركزون على الصور ويهملون مضمون الدرس، كما أنهم يطرحون الكثير من الأسئلة المتعلقة بالصورة فيخرجون بالأستاذ عن إطار الدرس العام”.

وبدوره شدد مدرس التعليم الثانوي عبدالستار الخديمي، على أن الرسوم المصاحبة للنصوص في مستويات التعلّم الأولى في رياض الأطفال أو في المدارس الابتدائية تلعب أدوارا تعليمية بيداغوجية مهمة، قائلا “الصورة من الوسائل المكمّلة للقراءة وما يترتب عنها من فهم للنصوص في أهدافها وفي غاياتها، لكن هناك تحديات عديدة لا بد من أخذها بعين الاعتبار ولعل أهمها الاختيار الأمثل للصور والرسوم التي تتوافق مع محتوى النصوص دون مغالاة في كثرتها وكثرة ألوانها لكي لا يتشتت انتباه الأطفال الذين يستعملون أعينهم كوسيلة أولى لاستكشاف العالم من حولهم”.

وأضاف الخديمي لـ”العرب” “لا بد من الابتعاد عن الصور ذات الإيحاءات الجنسية أو التي لا تتوافق مع المنظومة الحضارية قيميا وأخلاقيا. وعموما وجود الصور ضروري كوثائق بيداغوجية، ولكن يجب التمحيص في اعتمادها لخطورة الدور الذي تقوم به في منظومة التعلم خاصة لدى الناشئة في أعمار تعلمهم الأولى”.

عبدالستارالخديمي: وجودة الصورة مهم في الكتب، لكن يجب الحذر من التوظيف الخاطئ لها
عبدالستارالخديمي: وجود الصورة مهم في الكتب، لكن يجب الحذر من التوظيف الخاطئ لها

ومع تزايد سيطرة الصورة على حياة الأطفال في أفلام الكرتون ووسائل التكنولوجيا الحديثة، كما أنها تمثل جزءا من المنهج المدرسي في عدة دول، لاحظ باحثون بريطانيون فقدان الأطفال للكثير من المهارات التي كانت ستفيدهم في حياتهم العلمية والعملية.

وحذرت دراسة من “المبالغة” في استخدام الصورة بالكتب المدرسية، نظرا لأنها تعيق عملية تعلم الأطفال، إذ تتسبب في تشتيت انتباههم وتركيزهم وتقليص قدرتهم على الاستفادة من المعلومات النصية.

وتوصلت الدراسة التي أجرتها جامعة ساسكس في بريطانيا، ونشرت في مجلة “الرضع والأطفال الطبية”، أن احتواء الصفحة الواحدة من كتب الأطفال على أكثر من صورة يمكن أن يعيق الطفل عن تعلم الكلمات خاصة خلال مرحلة ما قبل الدراسة.

ويقول البروفيسور زوي فلاك، أحد المشاركين في الدراسة، “إن الأطفال الذين هم أصغر من أن يقرأوا لأنفسهم لا يعرفون أين ينظرون لأنهم لا يتبعون النص المكتوب.. ويكون لهذا تأثير كبير على مدى تعلمهم كلمات جديدة من القصص”.

وقام الباحثون بقراءة القصص القصيرة للأطفال الذين تصل أعمارهم إلى 3 سنوات، من كتب تحتوي على رسمة واحدة في كل مرة (بحيث كانت الصفحة اليمنى مصورة، وكانت الصفحة اليسرى فارغة)، ثم مع صورتين توضيحيتين في كل مرة (كانت كلتا الصفحتين تحتويان على رسومات توضيحية)، وكانت الرسوم الإيضاحية تقدم للطفل أشياء جديدة بأسمائها مكتوبة في الصفحة.

ووجد الباحثون أن الأطفال، الذين قرأوا قصصا معها صورة واحدة فقط في كل مرة، قد تعلموا ضعف عدد الكلمات التي تعلمها الأطفال الذين قرأوا القصص مع اثنين أو أكثر من الرسوم التوضيحية.

وتعمد الباحثون إضافة إشارة بسيطة باليد لتوجيه الأطفال للنظر في الصورة التوضيحية قبل قراءة الصفحة لهم.

واكتشف الباحثون أن هذه الإشارات كانت فعالة في مساعدة الأطفال على تعلم الكلمات، عندما رأوا رسمين توضيحيين في الصفحة.

وتوفّر هذه النتائج حلا بسيطا لأولياء الأمور ومعلمي الحضانة في ما يتعلق ببعض تحديات التعليم قبل المدرسي، والتي يمكن أن تساعد في تطوير المواد التعليمية للأطفال الصغار.

دراسة حذرت من "المبالغة" في استخدام الصورة بالكتب المدرسية، نظرا لأنها تعيق عملية تعلم الأطفال

وهذا يشير إلى أن توجيه انتباه الأطفال إلى الصفحة الصحيحة يساعدهم على التركيز على الرسوم الصحيحة، وبالتالي يوجههم نحو الكلمات الجديدة.

وأضاف فلاك موضحا “تشير نتائج الدراسة إلى أن معدلات التعلم تتأثر بكيفية تعقيد المهمة، وفي هذه الحالة، فإنه من خلال إعطاء الأطفال أقل قدر من المعلومات في كل مرة، أو توجيههم إلى المعلومات الصحيحة، فيمكن أن نساعدهم ذلك على تعلم المزيد من الكلمات”.

ونوهت الدكتورة جيسيكا هورست، الباحثة المشاركة في الدراسة، إلى أن بعض الأبحاث الأخرى قد أظهرت أن إضافة أجراس وصفارات إلى القصص تحدّ من عملية تعلم الأطفال، مشددة على أن تقليل عدد الرسوم الإيضاحية يزيد بشكل ملحوظ من تعلم الأطفال للكلمات.

لكن على الرغم من وجود مجموعة كبيرة من البحوث التي تدعم التعلم بالصورة في السياقات الرسمية وغير الرسمية، فإنه من المرجح أن يتم التعرف على سلبيات كثرة الصور في الكتب المدرسية من قبل صانعي القرار من أجل مستقبل أفضل للأطفال.

21