الصور الشمسية أدبا

السبت 2015/01/10

قابل الأدباء الصور الشمسية عند بداية ظهورها بمزيج من النفور والترحيب، بعضهم عاب عليها جانبها التقني الذي يحدّ من الخيال، مثل بودلير الذي اتهمها بالمساهمة في إضعاف العبقرية الفرنسية، الشحيحة بطبعها، فيما شبهها النمساوي توماس برنهارد بمرض يصيب الذاكرة بالتحجّر واليباس. وأما البعض الآخر، فقد رحّب بهذا الابتكار الجديد وقوته الشاعرية والتوثيقية، على غرار أندري بروطون الذي أقحم صورا شمسية في بعض نصوصه مثل “ناجا” و”الحب المجنون” كوسيلة للاقتصاد في الوصف.

ومنذ سبعينات القرن الماضي، ألف الأدباء الصورة، فصاروا لا يجدون حرجا في التوسل بها كمصدر إلهام، وأداة تعبيرية تجلل أعمالهم، كما هو الشأن في روايات حديثة مثل “بورتريه عقب جرح” لهيلين جيستيرن و”صور مسروقة” لدومنيك فابر، حيث يستعان بالصورة كمادة سردية. والشعراء ليسوا بمعزل عن هذا الاهتمام بهذه الأداة المستحدثة، بل يسعون هم أيضا إلى الاستفادة من بعض أوجهها.

في كتابه الأخير “الشعر والصورة الشمسية” يحلل الشاعر إيف بونوفوا أثر الصورة على خبرتنا بالعالم. فالصورة في رأيه، مثَلُها كمثَل الشعر، تحاول الكشف عن علاقتنا بالعالم.

ولكي نفهم بجدّ ما تثيره في رؤيتنا، يقول بونفوا، حريّ بنا أن نتذكر ظهور الضوء الاصطناعي في مدننا. هذا الضوء يعطي أثناء الليل دلالة مغايرة للأشياء التي تحيط بنا، فتغدو معتّمة، غير واضحة المعالم، تماما كالصور الشمسية التي لا تُظهر كل شيء، بل تترك جانبا من العالم في مناطق الظل والغبش والغموض. هذه التجربة يجسّدها غي دو موباسّان في قصته القصيرة “الليل”.

ورغم أن تلك القصة لا تتحدث عن الصور الشمسية، فإن بونفوا يسوقها في تحليله، مركزا على نظرة السارد الذي يتسكع ليلا في مدينة ما عاد يعرفها، لأن الليل أدخله في بعد آخر من العالم.

وما الصورة كما يقول إلا ليلٌ جديد “غادر فيه الملمح معناه، ما حوّل عمارات ومبانيَ إلى مجرّد واجهات لا شيء خلفها”. وإذا كان بعض الروائيين ينطلقون من الذكريات أو يبتكرون حكايات، فإن زملاءهم من هواة الصور الشمسية يعتمدون على صور جاهزة، ليس لضعف التخييل عندهم، بل لأن الصورة بطبيعتها ملتبسة، تتحرك في حافة ضيقة من الحضور والغياب، الصواب والخطأ، وتشكل بذلك وسيلة مذهلة للتلاعب بانتظارات القارئ.


كاتب من تونس مقيم في باريس

17