الصور على هواتف.. ذاكرة الوطن بالنسبة للاجئين

الاثنين 2016/01/11
الوطن في صورة

كان محمد يجلس منذ عام داخل مكتب أنيق في كابول مرتديا حلة سوداء، وقميصا أبيض اللون وربطة عنق لونها أخضر نضر. ويقول محمد وهو يتنهد ” إنني كنت أعمل لدى شركة كبرى في مجال الاتصالات، ويعمل تحت رئاستي فريق يضم 11 موظفا “.

وينتعل محمد اليوم في قدميه شبشبا مطاطيا باليا ويرتدي قميصا من حلة رياضية أزرق اللون، وهو جالس داخل مركز لاستيعاب اللاجئين ببلدة جارميش-بارتنكيرشن وهي منتجع جبلي بولاية بافاريا بالجنوب الألماني، ويقوم بعرض صور على رفاقه تبين مكان عمله السابق في أفغانستان.

وهرب محمد الذي يبلغ من العمر 26 عاما من أفغانستان، ولجأ إلى ألمانيا برفقة أشقائه وشقيقتين في سبتمبر الماضي خوفا من ضربات انتقامية من جانب حركة طالبان.

ويقيم حاليا نحو 320 مهاجرا ينتمون إلى 14 دولة في مركز استقبال اللاجئين ببلدة جارميش-بارتنكيرشن، وكان المركز مقرا قديما لمجمع مستشفيات يرجع تاريخه إلى الثلاثينيات من القرن الماضي. ويقول أورليكه كونزي مدير المركز إن ” غالبية اللاجئين جاءت من سوريا وأفغانستان“.

ولم يستطع معظمهم أن يجلبوا معهم الكثير من المتعلقات الشخصية أثناء رحلة هروبهم، وبالتالي أصبحت الصور المخزنة على هواتفهم الذكية هي في الغالب بمثابة التذكار الوحيد الذي يذكرهم بأوطانهم، وبالحياة التي لا يستطيعون أن يعودوا إليها قريبا أو ربما لن يروها مرة أخرى أبدا.

ومن الواضح أنه من الصعب على السيدة السورية سعاد التي تبلغ من العمر 28 عاما أن تتحدث عن بلدتها حمص. ولدى سعاد التي تعمل ممرضة صورة مخزنة على هاتفها لأخيها أحمد وهو يقف على جانب، تل بينما تغطي عينيه نظارة شمس مبتسما بسعادة أمام الكاميرا، وفي خلفية الصورة يمكنك أن ترى كتلة شاحبة من الوحدات السكنية التي تحيط بها الجبال والمساحات الخضراء الخلابة.

وتذكرها هذه الصورة بالأيام الأحسن حالا، وتعرضت الوحدات السكنية التي كانت سعاد تعيش في واحدة منها، وتتكون من ثلاث غرف للنوم، مع زوجها وابنتها الصغيرة للدمار منذ فترة طويلة من جراء القصف بالقنابل من جانب القوات الحكومية.وتقول سعاد وهي تشيح بوجهها “إنني لا أدري ما صار عليه بيتنا الآن”.
الصورة تذكرهم بالأيام الأحسن حالا

وتشمل المعاناة شخصا آخر هو نديم الذي يشعر بالصعوبة في السيطرة على عواطفه وهو يعرض صورة لولديه الصغيرين سالم ومحمد، وهما يجلسان على أريكة فيما كان في السابق غرفة معيشة الأسرة في اللاذقية.

وهرب نديم أيضا الذي يبلغ من العمر 37 عاما من سوريا، ووصل منذ شهرين إلى ألمانيا حيث يعيش حاليا في مركز الاستقبال ببلدة جارميش-بارتنكيرشن. ويقول نديم بصوت خفيض “إنني افتقدهما كثيرا، وآمل أن يكونا بخير “. ولم ير نديم ولديه منذ أكثر من عام، وكثيرا ما يحاول الاتصال هاتفيا بأقاربه في سوريا على قدر المستطاع، ويقول “إنني أشعر دائما بالخوف عليهم “.

ويحفر الحزن بصماته على وجه كلثوم بينما تنسكب الدموع من عينيها وهي تعرض صورة لابنتها حيلبي وهي تحتفل بعيد ميلادها الرابع. وتبدو في الصورة طفلة صغيرة ترتدي فستانا أبيض اللون وهي تنظر بشغف إلى مائدة حافلة بالفاكهة وتتوسطها كعكة عيد الميلاد محلاة باللونين القرمزي والأبيض وبداخلها شموع.

وعبرت كلثوم (38 عاما) البحر المتوسط مع ابنتها حيلبي وابن عمها وشقيقها على متن زورق صغير منذ بضعة أشهر، ثم سافرا إلى ألمانيا عن طريق البلقان والمجر ثم النمسا في رحلة استغرقت 40 يوما.

وتقول “إنني لم أستطع أن أجلب معي سوى مجموعة صغيرة من الملابس.” بينما يعرض حامد وهو مواطن من كابول يبلغ من العمر 43 عاما صورا التقطها لصورتين بالأبيض والأسود يبدو فيهما أقاربه، ويقول “إن هاتين الصورتين كانتا معلقتين منذ زمن على حائط غرفة معيشتنا.” ويظهر في إحدى الصورتين أبوه وجده، بينما تظهر في الصورة الأخرى عائلته بالكامل بما فيها الأعمام والعمات وأطفال كثيرون. أما حمزة وهو إخصائي علاج طبيعي يبلغ من العمر 42 عاما فيحتفظ بداخل ذاكرة هاتفه بصورة له مع زملائه في مستشفى بدمشق، وهم يجلسون حول طاولة مملوءة بالأطعمة.

ويقول حمزة “إننا كنا نحتفل بنجاح طبيب زميل لنا في امتحاناته النهائية بالجامعة، ولا أدري شيئا عن أحوال بعض زملائي الذين بقوا في سوريا.” وهرب حمزة خوفا من الهجمات بالقنابل، ووصل إلى ألمانيا منذ شهرين.

ومن ناحية أخرى يحتفظ وجيه القادم من دمشق بصورة لنفسه وهو يقف أمام مغارة جميلة تطل على البحر، وتقع بالقرب من مدينة وميناء اللاذقية السوري، ويقول “لطالما أحببت أن أذهب إلى هناك عندما أشعر بأنني أريد أن أخلو بنفسي “.

7