الصوفية تواجه حالات "الخلاص المزيف بالوعي المزيف"

الجمعة 2017/01/13
الصوفية صمام أمان شرط حمايتها من التشويه والتسييس

تونس – حذّر الباحث الجزائري، محمد بن بريكة، صاحب موسوعة “التصوّف في العالم الإسلامي” من انقراض بعض الطرق الصوفية واندثار مراجعها ومخطوطاتها في المغرب العربي بفعل شراسة الهجمات التكفيرية كما حدث في الزوايا السنوسية بليبيا ومحاولات بعضهم في تونس والجزائر ومصر والعراق، ونبّه إلى أهميّة الفكر الصوفي في الحفاظ على قيم التسامح والاعتدال والتصدّي للتطرّف الأعمى الذي تضخّه المنابر التكفيرية في غياب إعلام محلّي متخصّص.

جاء ذلك في ندوة أقيمت في مدينة تونس، تناول فيها الباحث دور المدارس والزوايا والحلقات الصوفية في مقاومة التطرّف الديني الذي بات الشغل الشاغل في الدولة والمجتمع، الأمر الذي جعل النخب الثقافية والسياسية وبقية مؤسسات المجتمع المدني، ترتبك في تصنيفه وتشخيصه، وترتبك في إيجاد طرق معالجته غربا وشرقا.

في ندوته سلّط بن بريكة، الذي يشغل مهمة المنسّق الأعلى للطريقة القادرية في الجزائر، الضوء على أهمية الإسلام التصوّفي في مقارعة غلاة التطرف والتكفير في المغرب الكبير وتونس بشكل خاص، وذلك باعتباره طريقة نورانية وتنويرية عباديّة، تنبذ العنف وتلتزم بالمحبة والسلام في التقرّب من الخالق والتعايش مع مخلوقاته مهما كانت عقائدهم، ناسجا على منوال الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، وذاهبا في اتجاه خطى مواطنه عبدالحميد بن باديس.

أشار صاحب أكبر موسوعة في التصوف الإسلامي، إلى خطورة ما يصدّر إلينا من فكر تكفيري يزعم “السلفيّة ” التي يعرّفها الباحث خارج سياقها الاصطلاحي الشائع والمغلوط في عالمنا المعاصر فيصحّح انزياحها بأن حقيقتها هي مدّ الجسور وتمثّل سلوك وفكر السلف التنويري قبل الهرسلة، ووضع الأحاديث المزوّرة والتشويهيّة بغية الخوض في الشأن السلطوي والسياسي، مؤكّدا على أّنّ نبي الإسلام كان “أكبر الصوفيين”.

الصوفية هي مد الجسور وتمثل سلوك وفكر السلف التنويري قبل الهرسلة، ووضع الأحاديث المزورة للخوض في الشأن السلطوي

كذلك اهتدى به أئمّة السنّة وفقهاؤها كمالك بن أنس الذي قال “من تحقق ثم تصوّف تحقق”، وذلك في إشارة إلى أطروحته المنادية بالتكامل بين الصوفي والمذهبي دون أن يغفل عن ذكر الأسباب الموضوعية التي أدّت إلى تفاقم أزمة التطرف لدى الأجيال الشابة في حالات اغترابها وبحثها عن خلاص مزيّف بوعي مزيّف، حتى باتت بعض الأقلام تشكّك في سلمية الإسلام أمام الديانات الأخرى كما جاء في بعض المداخلات التي تطلب التوضيح على سبيل الاستنارة والتدعيم، وليس التشكيك.

عرّج بن بريكة الذي حضر ندوته نخبة من الإعلاميين والمهتمين بالشأن الديني والفكر السياسي في تونس على الأعمال التخريبية التي استهدفت مقامات لرموز صوفية في تونس وغيرها من البلدان إثر موجات التخبّط والانفلات الأمني، وبتحريض من مجموعات سلفية مضللة، تريد طمس هذه المنارات التي يرجع لها الفضل في توطين الإسلام المعتدل الليّن والوسطي، بالإضافة إلى ما سماه الباحث “سماحة الإيمان الانشراحي” مع ما يرافقه من بهجة معرفة، وطقوس احتفالية منعشة كالموالد النبويّة التي تصدّى لمانعيها عن غير وجه حق بالحجّة والبرهان.

يذكر أنّ الجزائر -بلد الأمير الصوفي الثائر عبدالقادر- تعدّ من أهم عواصم الصوفية في العالم الإسلامي بعد أن خبت جذوة القاهرة وبغداد واستبدّ التطرّف السلفي والعقل التكفيري بحواضر كثيرة في العالمين العربي والإسلامي، فشاعت لغة الهدم والتهشيم والاعتداء على حرمات الأحياء والأموات في بلاد القادة الوطنيين من أبناء الطرق الصوفية كعمر المختار وهواري بومدين وعبدالكريم الخطابي والشيخ زرّوق في مصراطة الليبية وغيرهم.

نهل المفكّر الجزائري من كبار متصوّفة العصر في أبحاثه، ناظرهم وحاورهم ومن بينهم الدمشقي الراحل محمد سعيد رمضان البوطي، وصاحب مقولة “ليس كل جديد بدعة”، إضافة إلى كتابات المستشرق “رينيه عليون”، ناهيك عن منابع الطرق القادرية والرفاعية والشاذلية والتيجانية والنقشبندية والبلقائدية والخلوتية والعلوية وتفرّعاتها التي تعدّ بالمئات، مؤكّدا على ذلك بالمقولة الأفلاطونية “إنّ تعدّد الأسماء يدلّ على شرف المسمّى”.

لم يغفل الباحث الصوفي الجزائري عن التحذير من دخلاء الصوفية ومدّعيها لمآرب سياسية ومنافع خاصة كما يحدث في بعض الحملات الانتخابية خصوصا في البلاد الأفريقية، حيث تسود الولاءات العمياء التي تشوّه فيها الطرق وتحيد عن أصولها فتمسي نوعا من “الخواء الباطني والحركات الرياضية”.

لعلّ أكثر ما ميّز الندوة التي أقامها مؤلف كتاب “التصوف من الرمز إلى العرفان” هو تعدّد المراجع وكثرة المصادر الغربية والشرقية، إضافة إلى دقّة التوثيق ومن دون أن ينهك ذلك أو يؤثر على أدبية السرد ودقة اللغة.

أثنى الباحث بن بريكة على أصالة التجربة التونسية في حفظ التراث الصوفي وتواصل روادها مع أشقائهم الجزائريين، تحدث عن زياراته لمقامات أعلام الصوفية في تونس كأبي الحسن الشاذلي وعبدالعزيز المهداوي وسيدي الظريف، وأشاع جوا من الطمأنة مفاده “أنّ بلادا يعطّر ترابها مقامات الأولياء والصالحين وتتجذّر فيها الصوفية النقيّة، لا يمكن أن يهزمها الإرهاب والفكر التحريفي والتكفيري”.

13