الصوفيون خصم سياسي للإخوان المسلمين قادم إلى البرلمان

الجمعة 2014/11/28
تمثل مجاميع الطرق الصوفية القوة الإسلامية القادرة على أن تكون البديل المناسب للإخوان والسلفيين

القاهرة - تعتبر كافة جماعات الإسلام السياسي بشكل عام من الحركات العقائدية التي تمارس السياسة وفق قواعد ثابتة ومطلقة تتأسس على الدين. فقيامها بالحملات الدعائية والاستقطاب والتوسع يعتبره مريدو تلك الجماعات “تعبدا وتقربا إلى الله” مع أن المسألة لا تتعدى إدارة الشأن العام بطرق واقعية وعلمية دنيوية بمعزل عن المعطى الديني. ولكن القراءة المتأنية للواقع السياسي العربي الآن، تحتم على الباحثين والمراقبين “الاعتراف” بوجود قوى دينية تتزاحم مع القوى الأخرى للوصول إلى السلطة، كل حسب قناعاته. وبالتالي فمبدأ تخيير “الأقل خطورة” من تلك الحركات يصبح قائما خاصة إذا وجدت قوة معتدلة تريد ممارسة السياسة مثل الصوفيين.

يحاول الصوفيون رسم خطوط المعركة السياسية لانتخابات مجلس النواب المقبل، وإيجاد موطئ قدم بين القوى الليبرالية والعلمانية من جهة وبين الإسلاميين (الإخوان المسلمون والسلفيون) من جهة أخرى، في محاولة للعب دور هام في تشكيل المشهد السياسي المصري، خاصة وأن مصـر فيها أكثـر من عشرة مـلايين صوفي.

وعلى الرغم من هذا العدد الكبير، وبعد مرور ثلاث سنوات على ثورة يناير 2011 أظهرت التطورات السياسية فشل الصوفية في كسب أرضية سياسية على الساحة في مرحلة ما بعد مبارك، والأمر نفسه تكرر في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، حيث اشتد الخلاف بين الإخوان والصوفية بعد قيام شباب الجماعة بهدم عدد من الأضرحة، في حين هاجم شيوخ الصوفية قيادات الجماعة ووصفوهم بخوارج العصر.

ويرى خبراء سياسيون مصريون أنه في ظل تشرذم القوى الليبرالية وانهيار شعبية الجماعات الإسلامية، يجد الصوفيون الآن الفرصة مواتية ليكونوا بديلا مناسبا عن الإخوان والسلفيين، وخلق ظهير سياسي في البرلمان من خلال الدفع بمرشحين في انتخابات مجلس النواب المقبل، واستغلال قاعدتهم الشعبية العريضة. لكن تبقى الآراء مشككة في مدى قدرة هؤلاء على بناء البديل الإسلامي السليم خاصة وأن الحركة الصوفية تعاني من الشعبوية وضعف الوعي السياسي الرشيد.

في ظل انهيار شعبية الجماعات الإسلامية، يجد الصوفيون الفرصة مناسبة ليكونوا بديلا عن الإخوان والسلفيين

فدخول الصوفية كحركة إسلام سياسي معترك الاستحقاقات السياسية قد يكون بدعم من القوى الليبرالية الهشة في البلاد، التي تكافح من أجل أن يكون لها تأثير ضد القوى الدينية، وخاصةً حزب النور السلفي الذي يراهن على أغلبية مجلس النواب والمنافسة على جميع مقاعد البرلمان، وهذا الأمر سوف تكون له تأثيرات استراتيجية على المدى المتوسط، لأن العديد من قواعد الإخوان المسلمين وقياداتهم اختبؤوا داخل تنظيمات حزب النور وبالتالي فهو “حصان طروادة” لدخول البرلمان مرة أخرى.

ويقول أحمد بان الباحث في شؤون جماعات الإسلام السياسي إنه من الناحية النظرية، قد تكون للصوفية شعبية ضخمة في الشارع الديني، لكنهم في الممارسة العملية ليسوا على قدر الوعي السياسي المطلوب في المرحلة المقبلة، مؤكدا أن التقارب والألفة بين الصوفية والأزهر لاعتبارات الأيديولوجية والتفاهم الفكري سوف يشكلان عائقا أمام الدفع بالقوى الصوفية في المعترك السياسي، والاكتفاء بالنزعة الروحية التي يمارسونها وهذا فعلا ما سيفتح الباب على مصراعيه للإسلام السياسي “الفاشل” الذي كان في السلطة بمعية تحالفاته الموهومة.

وفي سياق نقد الصوفية السياسية التي تبحث لها عن موطئ قدم كفاعل جديد قادم من بعيد، يمكن القول أن الصوفية تحوي تراثا سياسيا ما في تاريخها، فمن المعروف عن هذا النوع من التيارات الإسلامية أنه ينزع نحو الروحانية وإنكار المادية، بمعنى أن رجال الدين الصوفيين دائما ما يكتفون بمناصب المستشارين في الحاشية الملكية والعمل وراء الكواليس كمرشدين روحانيين لأصحاب السلطة، وليست لهم خبرة مباشرة في إدارة شؤون الحكم والأمور العامة.

وعلى رأي الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية كمال حبيب، فإن الصوفيين يفتقدون للرؤية والدراية السياسية للحالة الراهنة التي تعيشها الدولة، وبالطبع لن يكونوا بديلاً سياسياً لجماعة الإخوان المسلمين التي تمتلك تاريخاً من التنافس مع السلطة في الانتخابات المحلية والبرلمانية، بالإضافة إلى أن السلفية تمتلك رصيداً سياسياً لا بأس به منذ ثورة 2011، واستطاعت أن تجد لها موطئ قدم في مرحلة ما بعد عزل مرسي.

ويشير إلى أنه “في السياسة، الليبراليون والعلمانيون أفضل في النوايا من التيار الديني، الذي يبطن غير ما يظهر، ولكن لا عجب أن القوى المدنية تبحث عن نوع بديل من الإسلام السياسي لبعض الوقت في المستقبل أملاً في أن تتضاءل فرصة الإخوان والسلفيين في انتخابات مجلس النواب المقبل”.

قد تكون للصوفيين شعبية في الشارع الديني لكنهم في الممارسة العملية ليسوا على قدر الوعي السياسي المطلوب

ويوضح أن جماعة الإخوان المسلمين والتيار السلفي بارعون في تحالفات مع القوى الليبرالية، بينما القوى الصوفية لا توجد لديها خبرات نحو العمل السياسي.

ولعل أخذ الصوفيين المصريين قرار الدخول في العمل السياسي كان ردة فعل على الهجمات التي تعرض لها التيار من قبل الإخوان المسلمين والسلفيين الذين اعتدوا في أكثر من مناسبة على مساجد وفضاءات الصوفيين. ففي أعقاب وقوع تفجير بمسجد العارف بالله أحمد البدوي (مسجد صوفي يحتوي على ضريح السيد البدوي مؤسس الطريقة البدوية الصوفية)، أصدر شيوخ الصوفية العديد من البيانات التي تلقي باللوم على جماعة الإخوان والحركات السلفية، وتوعّدوا بأنهم سيعملون على مُعادلة القوى في الانتخابات البرلمانية المقبلة بالتنسيق مع القوى السياسية الأخرى.

إن دخول الصوفيين لانتخابات البرلمان المقبل قد يمثل تكرارا لتجربة حزب النور السلفي حسب تقارير العديد من الملاحظين، فقد دخلت القوة السلفية المعترك السياسي لأول مرة خلال انتخابات برلمان 2012، واستطاعت تحقيق ثاني أكبر نسبة في مقاعد البرلمان. وبالقياس مع ذلك، يمكن أن تكون الصوفية بديلا دينياً أكثر اعتدالاً من جماعة الإخوان والسلفيين.

ومن الناحية التنظيمية، فإن الصوفيين والسلفيين والإخوان يتشاركون في مبدأ الطاعة المطلقة للقائد، أما الإخوان فلديهم بيعة المرشد وطاعة أوامره دون مناقشة أو تعديل، وأيضا أتباع الصوفية لشيخ الطريقة لهم نفس المبدأ، لكن الاختلاف الجذري بين الصوفية وباقي التنظيمات يكمن في أن طاعة الصوفية تعتبر من الأسس الروحية لتحسين التصرفات، بينما الإخوان لديهم طاعة عمياء وعقيدة أيديولوجية ثابتة لا تتغير نحو المرشد أو قائد الشعبة.

وتجدر الإشارة إلى أن الصوفية ليست جماعة دينية لها بعد سياسي ثابت في الأدبيات مثل الإخوان أو الدعوة السلفية، وإنما تمثل وسيلة للسمو الأخلاقي والروحي في التعامل مع الآخر، حيث يرفض أغلب الصوفيين العمل السياسي خوفا من تأثيره السلبي على مريديهم.

13