"الصويرة" أيقونة مغربية منفتحة على الفضاءات المنفلتة من الزمن

الخميس 2014/02/20
الصويرة مدينة النوارس

الصويرة (المغرب) - تتميز مدينة الصويرة الواقعة جنوب المملكة المغربية بطابع خاص يجعل منها مقصدا مغريا للسياح من مختلف مناطق العالم، حيث تستقبلك للوهلة الأولى عند زيارتها طيور النورس البيضاء التي تحلق مصارعة الريح بانتشاء وفرح فوق مراكب الصيد الراسية.

تتوسط المدينة القديمة في الصويرة محلات ومقاه كثيرة ومتعددة، تستقطب السياح مغاربة وأجانب، فضوليين وحالمين وشاعريين، ورسامين، يأتون إلى هذه المقاهي طيلة فترات.

حالما ينهمر ضوء الشمس، وتدب حركة الناس في أزقتها، يأتون إلى هنا لتناول وجبة الفطور. هي أمكنة رحبة، تتسع لزبنائها الذين معظمهم من السياح، طاولات مرصوصة في ساحة ضيقة أمام المقاهي، كثيرون يفضلون الجلوس في الطاولة الموضوعة أمام المقاهي بحيث يمكن أن يتأملوا المارة، يتبادلون أطراف الحديث مع بعضهم بعضا، يتابعون بداية زحام في مدينة تتثاءب في الفجر وتستيقظ بعد منتصف النهار. في العصر تزدحم أزقة المدينة القديمة بأهلها وسياحها. بعضهم يسير في الزحام من السياح، يأملون تناول وجبة في واحد من تلك المطاعم الصغيرة بطاولاتها الخشبية الوطيئة، ووجباتها التي تعتمد السمك مادة أساسية، وبعضهم الآخر يريد أن يشتري مصنوعات خشبية صنعت من خشب العرعار، أو ثيابا صوفية وقطنية مزركشة، الحوانيت الصغيرة تحولت مع هذه الثياب إلى زفة ألوان، بعضهم يبحث عن شرائط “موسيقى كناوة”، ويطلق في الصويرة على فناني هذا النوع من الغناء “المعلمون”. “موسيقى” كناوة “هي في الأصل موسيقى أفريقية، موسيقى”العبيد” الذين نقلوا قسرا في زمن مضى إلى أصقاع شتى منها المغرب، ربما من هنا جاء اهتمام بعض الأميركيين السود بهذه الموسيقى، وهو ما يفسر مجيء بعضهم إلى الصويرة. إنهم يجدون رابطا بينها وبين موسيقى الجاز، التي كانت هي أيضا موسيقى “العبيد” في مزارع القطن في البراري الأميركية.

يستقطب مهرجان "كناوة" الزوار من كل حدب وصوب كل صيف

موسيقى “كناوة” جمعت الحلو بالمر والفرح بالحزن والتفاؤل باليأس. ومن أبرز مطربي هذه الموسيقى “المعلم محمود غينيا”، صوته يأتي دائما شجيا مؤثرا وكأنه يرسل رسالة مودة تضمد جراح أولئك “العبيد” الذين يرقدون تحت التراب. صوت ينبعث من كل زوايا المدينة القديمة، السياح يشترون تسجيلاته، على الرغم من أنهم لا يفهمون كلماته.

وتحتفل مدينة الصويرة كل صيف بمهرجان “كناوة” الذي يستقطب المعجبين القادمين من كل حدب وصوب.

ويقول الطالب الفرنسي جاك كدونو القادم من مدينة “تولوز″ الفرنسية إن الصويرة هي جرح في خاصرة الخارطة، شبه جزيرة لائذة بالماء والشمس والغبار، كأنها خنصر ناتئ في جسم الزمان.

وتساءل جاك الذي يهتم بالتاريخ العالمي: “يحار المرء في معرفة كيف حشيت هذه البلدة الصغيرة بأكوام التاريخ، حتى الكتابات التاريخية عاجزة عن فضح سرها ووحدها الكتابات الفنية والتعابير الإيحائية تستطيع ملامسة هذا السطح الفيروزي العميق”.

إنها مدينة تستيقظ في منتصف النهار، وتنام في الصباحات، وعندما تتهاطل عليها قطرات الندى الصباحية تبتل أزقتها، وتصبح لها رائحة خاصة، هي خليط من روائح القهوة والثوم، والخبز والهلاليات “الكرواسن” الساخنة التي خرجت لتوها من الفرن. هذه هي “موكادور” أيقونة البحر والنورس والسمك والتاريخ والموسيقى والصمت أيضا.

ويعود جمال هذه المدينة إلى ذاكرتها المفروشة غير القابلة للإيجار، هي ذاكرة تأبى النسيان، تختزل في ثنياها تاريخا حافلا بالأحداث، منها ما يرجع إلى عصور غابرة، كما أكدت الحفريات والدراسات الأركيولوجية.

ومدينة “موكادور”، مدينة تعبق بالتاريخ، منغلقة على ذاتها ومنفتحة في نفس الوقت على كثافة المحيط والأمكنة السحرية والعجيبة وعلى كل الفضاءات المنفلتة من الزمن، والتنوع في الساكنة والثقافات والديانات والأعراق التي تعاقبت على المدينة جعلت منها مدينة استثنائية أو ربما وحيدة نسيجها في تاريخ المغرب المعاصر الذي جمع في تناغم فريد بين ثقافات الشعوب وعاداتها وحساسياتها وفنونها الموسيقية وأغانيها ورقصاتها، الشيء الذي حول الصويرة إلى جماعة الحضارات والحداثات.

20