الصياصنة شيخ الجامع العمري يرى سوريا دولة لكل مكوناتها

الأحد 2015/06/14
الشيخ الصياصنة ابن الشعب لا الجماعات المتطرفة

لطالما رأيتُ الشيخ أحمد، في طريقه إلى المسجد العمري في مدينة درعا السورية، يسير ثابت الخطوات وحيداً دون مساعدة أحد، رغم فقدانه البصر، كان أهل درعا يتعجبون من مشيه في الطريق متجنباً كل ما يؤذي سيره بتأنٍ ورويّة حتى يصل المسجد، فكان وكأنه يرى كل ما حوله، دون أن يراه، كانت تلك علامة على أن نعمة البصيرة قد أغنتهُ عن نعمة البصر، بصيرة إنسانية، وبصيرة وطنية، هو شيخ الجامع العمري الشيخ أحمد الصياصنة.

اللحظة الأولى للانتفاضة

انتقد حكيم حوران، النظام القائم في سوريا منذ سنين طوال، ورفع صوته بمهاجمة ما وقع في البلاد من فساد واستبداد، حتى حصل ما كان ينتظره، وما كان يبتغيه، فانطلقت الثورة السورية بمعناها الفعلي والمادي، كمظاهرات سلمية مدنية، من الجامع الذي بقي 20 عاماً يدعو فيه الناس إلى تغيير الواقع المظلم في البلاد.

وُلِدَ أحمد عيد الصياصنة، في مدينة درعا البلد، جنوب سوريا في العام 1945 في أسرة فقيرة وبسيطة، وأصيب في أشهر حياته الأولى بالرَمد، ففقدَ بصره إثر ذلك، دخل الكتّاب في درعا بعمر الخمس سنين، وبقي سنتين حفظ فيهما ثلث القرآن، ثم سافر وهو في العاشرة إلى مصر، بعد أن طلبت وزارة الشؤون الاجتماعية السورية آنذاك ترشيح بعض المكفوفين المتفوقين لإرسالهم إلى المركز النموذجي لرعاية المكفوفين في حيّ الزيتون بالقاهرة.

بقي في القاهرة نحو عامين وتعلمَ لغة “بريل” للمكفوفين، رغم أنه عانى خلالها الكثير بسبب الغربة والظروف الصعبة، والبعد عن أهله وبيئته، فقد كان لا يزال حينها طفلاً طرياً، بسبب الانفصال بين سوريا ومصر في العام 1961 وقطع العلاقات بين الدولتين آنذاك، لم يستطع إكمال دراسته فعاد إلى بلاده.

تابع الصياصنة تعليمه، وحصل على الشهادة الإعداديّة، وكان معروفاً عنه الذكاء وسرعة البديهة، كان البعض يقرأ له وهو يحفظ عن ظهر قلب، بعد ذلك حصل على بعثة على نفقة الجامعة العربية في تعليم المكفوفين وتأهيلهم في جمهورية مصر وبقي عاماً هناك، قدم خلاله رسالة عن “الحياة الجماعية وأثرها في تكيف الكفيف”، وبناءً عليها حصل على شهادة اختصاص في تعليم المكفوفين، وبعد ذلك عاد إلى سوريا مجدداً وتقدم للشهادة الثانوية وحصل عليها مطلع السبعينات، وتمّ قبوله في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة التي التحق بها حتى العام 1973 حيث حصل على شهادة الليسانس، من كلية الدعوة وأصول الدين بتقدير جيد جداً، وقد أتاحت له سنوات دراسته الجامعية حفظ القرآن الكريم كاملاً.

اعتداله وثباته هو ما يعرف عن الشيخ الصياصنة الذي يقول منذ بداية الانتفاضة السورية وحتى بعد مرور أكثر من أربعة أعوام على اندلاعها، إن الثورة "بعد أن تحقق الانتصار يجب أن تعود بالخير لكل السوريين بغض النظر عن معتقداتهم وطوائفهم"، داعيا إلى بناء دولة حضارية تستوعب كل السوريين

الإنسان والتمرد

لم ينتم الصياصنة إلى أيّ حزب أو جماعة دينية، وبقي واحداً من الناس، واستطاع أن يوصل رسالتهُ للمواطنين من خلال إسقاط مناسبات النظام من منبر الجمعة، وهو أمرٌ غير معهود في سوريا، حيث استثمر الشيخ المنبر على أفضل صورة، مع وجود أكثر من ثلاثة آلاف مصلٍ كانوا يحضرون خطبته الأسبوعية في الجامع العمري بدرعا.

عرف أهل حوران كلهم من سنوات طويلة، أن الصياصنة معارض للنظام، فأحبوا الاستماع إليه، وصدّقوا نبرته، التي لم يطلب فيها شيئاً لذاته، فارتبطوا بمنبر العمري، الذي كان من أكثر الأماكن التي أحبّها الصياصنة، والتصق بها، فهو بوابته لتوجيه الرسائل في كل اتجاه، إلى الشعب من جهة، وإلى السلطة من جهة أخرى.

في ربيع كل عام كان النظام السوري يحتفل بانقلاب البعث، الذي أطلق عليه اسم “ثورة البعث”، لتكون خُطب الجمعة في جميع مساجد سوريا موحدة، تمجّد تلك المناسبة وتقدّسها، لكن الصياصنة دأب على الحديث في خطبه، عن الثورة بمفهومها الأشمل، ثورة الإنسان التي تصنع الحياة الأفضل للشعوب وتحفظ كرامتها، فكان يظهر مسترسلاً كعادته، دون أن يأتي بكلمة واحدة عن “ثورة البعث” أو سواها، ولعلّ التزامه بمبادئه وعدم محاباته لأجهزة الأمن، كانت من أبرز صفات الصياصنة.

كان الشيخ أحمد يتقصّد فعل هذا، في جميع المناسبات، ومنها ذكرى ما تسمى بـ”الحركة التصحيحيّة” في تشرين الثاني من كل عام، وهي ذكرى انقلاب حافظ الأسد وتوليه زمام الحكم في سوريا في العام 1970، فكان البعض يتساءل، لماذا لم يُقدم النظام على تصفية الصياصنة منذ وقت طويل، ولماذا تركه دون محاسبة، مع استمراره في توجيه الانتقاد للأوضاع الاجتماعية والسياسية في سوريا؟

لعلَّ السبب الوحيد، يرجع إلى شعبية الصياصنة الكبيرة، وخشية المخابرات من انعكاس أيّ تصرف يقوم به ضد الشيخ، على استقرار الأوضاع في درعا، وقيل أيضاً مما قيل وقتها، إن سبب عدم تصفية الصياصنة، يعود إلى اقتناع النظام، بأن حديثه لا يلقى صدى بين الناس، وأن الشعب المنضبط لن يتأثر بما يقوله، لكن الأيام، وإن جاءت بعد زمن طويل أثبتت عكس ذلك.

خطبة الثورة

لم يكن الشيخ أحمد الصياصنة والذي وصف بشيخ الثورة السورية، ثائراً ابن اللحظة التاريخية، بل كان ثائراً منذ أن صعد منبر الخطابة عام 1987م في العمري، وكل من عرفه وحضر خُطبه، كان يدرك جيداً أنه سيحضر خطبة دينية وسياسية على حد سواء.

لكن ما قدر عليه الصياصنة، كان فريداً، بتمكنه من قول ما يريد، رغم القبضة الأمنية ورغم وجود عناصر المخابرات في المسجد، كما هو الحال، في جميع مساجد سوريا.

لكن أجهزة المخابرات لم تعد تحتمل جرأة الشيخ الصياصنة، فمُنع من الخطابة مرات عدة وكان آخرها عام 2008 وبقي نحو ثلاثة أعوام، لكنه عاد وصعد المنبر بعد أسبوع واحد من الثورة السورية، من الجامع العمري ذاته الذي أمر ببنائه عمر بن الخطاب، وكان أول مسجد في بلاد الشام، ليجدّده ويوسّعه من بعده، صلاح الدين الأيوبيّ، وليبق على حاله حتى دمّره قصف قوات الأسد لاحقاً.

“خطبة الثورة” للشيخ الصياصنة كما يسميها البعض والتي ألقاها بتاريخ الخامس والعشرين من مارس في العام 2011 حضرها حينها، عشرات الآلاف واكتظت الشوارع المحيطة بالمسجد العمري بالمصلين من جميع مناطق حوران، كانت تلك الخطبة، بمثابة تحديد مسار للثورة السورية، فدعا إلى تحقيق أهداف الثورة بالطرق السلمية والحضارية، ونبههم إلى أنهم يعيشون هذه الأيام لحظات تاريخيّة، ورفض أن يقوم أبناء درعا بمواجهة الجيش والأمن، ووصف من يقوم بذلك بالخيانة، لكن النظام السوري لم يعط لهذا الكلام أي أهمية، وبعد فترة قصيرة أيقن الصياصنة أن لا مجال للمتظاهرين والمحتجين سوى الدفاع عن أنفسهم، فوقف معهم وسار في الدرب الذي ساروا فيه، وبقي ينبههم إلى أن يبقوا في موقف الدفاع عن النفس، لكن التطورات التي حصلت في الثورة السورية، جعلت الصياصنة يتخذ موقفاً مُغايراً في ما بعد، كما أغلب السوريين.

نصائحه لا تجد آذاناً صاغية عند النظام السوري، فتقوم أجهزة المخابرات، باعتقال ابنه أسامة، وتعدمه بعد أقل من أسبوعين من لقاء والده الشيخ أحمد ببشار الأسد، ثم تعتقل ولديه الآخرين، وتحاصر منزله بالدبابات، موجهة فوهاتها نحو أسرته، حيث تم إجباره على أن يظهر على شاشة التلفزيون السوري، متحدثا بلسان النظام على عكس قناعاته

لقاء مع بشار الأسد

أخذ الشيخ الصياصنة في الأيام الأولى للثورة السورية مكان الناصح للسلطة، ومع توسع رقعة الاحتجاجات في محافظة درعا في تلك الأيام، طرح الكثير من الرؤى والاقتراحات، حتى أنه التقى برأس النظام السوري بشار الأسد ودعاه لأن يصحح طريقة التعامل مع المتظاهرين، ويحقق مطالبهم بأسرع وقت، ونبهه إلى أن المظاهرات إن لم يتم التعامل معها بطريقة تحقن الدماء وتحقق مطالب الشعب فإن الأمور ستخرج عن السيطرة.

لكن نصائحه لا تجد آذاناً صاغية عند النظام السوري، فتقوم أجهزة المخابرات، باعتقال ابنه أسامة، وتعدمه بعد أقل من أسبوعين من لقاء والده الشيخ أحمد ببشار الأسد، ثم تعتقل ولديه الآخريْن، وتحاصر منزله بالدبابات، موجهة فوهاتها نحو أسرته، حيث تم إجباره على أن يظهر على شاشة التلفزيون السوري، متحدثاً بلسان النظام على عكس قناعاته، بعد أن تم تهديده بقتل نجليه إن رفض الظهور، ووضعوه رهن الإقامة الجبرية لأشهر عدة، إلى أن تمكن بعد وساطة المراقبين العرب من فك الإقامة، راحلاً إلى الأردن بواسطة بعض فصائل الجيش السوري الحر مطلع العام 2012.

خرج الصياصنة من درعا مجبراً حينها لا خيار أمامه، لكن عند خروجه كانت الأمور قد وصلت إلى طريق اللاعودة، أدرك حينها كما قال إنه لا يمكن للشعب السوري أن يحقق أهدافه، إلا بالتضحيات لأنه أمام نظام لا يعرف لغة إلا لغة القوة والمواجهة.

اعتدال في زمن التطرف

عُرف عن الشيخ الصياصنة اعتداله، رغم مواقفه الثابتة التي تنبع عن مواطن سوري قبل كل شيء، قال منذ بداية الثورة السورية وحتى بعد مرور أكثر من أربعة أعوام على بدايتها، إن الثورة “بعد أن تحقق الانتصار يجب أن تعود بالخير لكل السوريين بغض النظر عن معتقداتهم وطوائفهم”، داعياً إلى بناء دولة حضارية تستوعب كل السوريين.

وكان لهذه المواقف المعتدلة، والتي عكست صورة الشيخ الذي يدعو لقبول الآخر أثر كبير في توحيد الفصائل العسكرية، جنوب سوريا، على اختلافها والتي عكست صورة متطورة شهدها العالم، وتمكنت من إحراز تقدم كبير سواء في الميدان أو بناء الإنسان في المناطق التي تسيطر عليها، ولا يزال الصياصنة صمّام أمان للكثير من أبناء درعا وحوران عامة، فكلام الشيخ يُسمع وله وزن لدى القوى الثورية في الجنوب السوري، لتبقى له كلمته المحترمة ودوره الكبير في حل الخلافات بين الفصائل الثورية.

اتخذ الشيخ الصياصنة موقفا مبكراً من التطرف، انتقد فيه تنظيم “داعش” هذا الموقف لم يكن غريباً عن طبيعة من عرفه، فقد دعا إلى نبذ التطرف منذ زمن بعيد، وعاد وذكّر بذلك بعد دخول جماعات محسوبة على الثورة السورية تحمل فكراً تكفيرياً.

يقول الصياصنة إن الشام ستبقى كما كانت على مرّ التاريخ وسطية المنهج، وأن البيئة الشامية لن تتغير ولن يستطيعوا تغييرها، ووصف أتباع فكر تنظيم “داعش” بأنهم أناس متعصبون ومعقّدون نفسيا، وذكّرهم بأن المسلم الحقيقي الذي يسير على ما سار عليه النبي، لا يرضى بالتطرف ونبه أتباع داعش بأن السوريين لن يرضوا بأن يتخلصوا من استبداد الأسد كي يعيشوا تحت استبدادكم.

لم يكن الصياصنة حين ألقى خطبة الثورة يعلم أن الانتفاضة السورية ستصل إلى ما وصلت إليه من تعقيدات وتشابكات، ولكنه يبقى علامتها البارزة والمستمرة، تلك الانتفاضة الشعبية البسيطة التي شكلت منعطفا في بداية تغيير ملامح الشرق، وكشفت أقنعة دول كثيرة وحركات وأحزاب وجماعات وحتى مجتمعات.

7