الصيف الساخن يصيب المدن العربية بالخمول

أفادت العديد من تقارير الأرصاد الجوية بأن العام 2017 يتجه نحو التفوق على عام 2016، في كونه أكثر الأعوام حرارة منذ بدء الرصد المنظم لدرجات الحرارة. ويتوقع أن تنشر المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في الحادي والعشرين من يوليو الحالي سجلات أول ستة أشهر من السنة التي تزداد سنويا درجة حرارتها عن النصف الأول من العام السابق بمعدل 0.1 إلى غاية 0.2 درجة مئوية، ويعد لبنان من بين أكثر الدول تسجيلا لارتفاع ملحوظ في الحرارة منذ مستهل الشهر الحالي.
السبت 2017/07/08
الهروب إلى البحر

بيروت - تهدد درجة الحرارة المرتفعة التي يتعرض لها لبنان، خاصة في الأيام القليلة الماضية، بهروب الرحلات السياحية المقررة إلى دول أخرى أكثر اعتدالا في درجات حرارتها.

وطبقا لما أوردته مصلحة الأرصاد الجوية، فإن اللبنانيين يعانون منذ السبت الماضي من “كتل هوائية حارة متمركزة بين إيران والعراق والكويت، إضافة إلى كتل هوائية من شمال أفريقيا، تتحرك باتجاه الشرق”.

وتؤثر هذه الكتل بشكل أساسي، كما تشير المصلحة الحكومية، على “مناطق البقاع الشمالي والشرقي”، ووصلت درجات الحرارة إلى 40 درجة.

موجة متوقعة

يعتقد مسؤول الحملات في فرع منظمة غرين بيس البيئية العالمية بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا جوليان جريصاتي أن هذه الموجة كانت “متوقعة”.

ويستشهد جريصاتي بأن “المنطقة العربية تشهد منذ 30 عاما، ارتفاعا في درجة الحرارة، بوتيرة أسرع من المعدل العالمي، بلغ 50 درجة مئوية” في بعض أنحائها.

وتعتبر غرين بيس أو السلام الأخضر، منظمة بيئية عالمية غير حكومية تأسست في 1971 بهولندا، ولديها مكاتب في أكثر من أربعين دولة، بما فيها لبنان.

وحذر المسؤول المحلي لغرين بيس من أن المعنيين بشؤون البيئة إذا لم يتحركوا فإن معدل الحرارة مرشح للارتفاع بواقع 6 درجات مئوية، بحلول 2050.

ولا تقف المحاذير عند هذا الحد، بل سيزداد معدل فقر المنطقة للمياه خلال 33 سنة، ما سيؤثر سلبا على الزراعة، وفقا لمسؤول المنظمة البيئية.

وتتأثر البحار والمحيطات أيضا بالتلوث، إذ “تمتص مادة الكربون”، وتكون النتيجة، كما يشرح جريصاتي، “انبعاث مواد أسيدية، نتيجة تفاعل المياه مع الكربون، فيزيد من حدّة الرطوبة والحرارة”.

وشدد جريصاتي على أن أكثر المناطق التي تتأثر بالتغيُّرات المناخية حول العالم، هي دول البحر المتوسط وشمال أفريقيا، “لأن المياه فيها نادرة جدا، وهذا العامل يسبب ظاهرة التصحّر”.

وأما بالنسبة إلى دول الخليج، وتحديدا السعودية، توقع المسؤول أن تشهد مستقبلا “أصعب مراحلها المناخية والبيئية”.

مخاوف في لبنان من هروب السياح إلى وجهات أكثر اعتدالا

وأضاف جريصاتي أنه على التراب اللبناني “سيصبح فصل الصيف أطول وأشد حرارة، ما يؤثر على السياحة، خصوصا رياضة التزلج في فصل الشتاء”.

وقال الخبير البيئي إنه للوقاية من هذه المخاطر المتربصة ببلد تعتبر السياحة مورده الرئيسي، فإن “الحل الوحيد هو الانتقال سريعا إلى الطاقة المتجددة، أي التي تعتمد على الشمس والهواء والماء، عوضا عن النفط وتوابعه المسببة للتلوث وارتفاع الحرارة”.

وفي المقابل، قالت مديرة قطاع الفنادق والمرافق الترفيهية في وزارة السياحة اللبنانية رندة الباشا إن “ارتفاع الحرارة في لبنان لن يتسبب في تراجع القطاع السياحي بشكل مهم، كونه يتميز بجباله التي يقصدها أهل الخليج وشمال أفريقيا”.

وأضافت الباشا أن طبيعة الجبال “باردة ليلا، ومنخفضة الحرارة والرطوبة نهارا، إلى جانب أن الساحل قريب من الجبال، وهذه ميزة خاصة بلبنان”.

واستشهدت أيضا بأن “الليل في لبنان له نكهة خاصة، رغم تغير المناخ”، قبل أن تعود لتؤكد أن “هذه الظاهرة تصيب كل الدول وليس حصرا على بلدنا”.

أما هيثم درزي، أحد هواة الغطس والسباحة في لبنان، فقال إن “الحرارة المرتفعة تحول بلا شك دون مكوثنا تحت الشمس وقتا طويلا، لكن يجب علينا التعود على هذا الوضع سنة بعد سنة”.

وما يفاقم هذه الأزمة هو معاناة لبنان أصلا من أزمة كهرباء، التي لا تصل شبكتها الكثير من قرى الشمال والوسط والجنوب، الأمر الذي يفضي إلى مشاكل صحية.

وترى المواطنة رجاء وهبي (45 سنة) أن “حياة اللبناني جحيم، وها هو الطقس الحار يحولها إلى جحيم أكبر”.

وينقطع التيار الكهربائي ما بين 8 و14 ساعة في اليوم حسب المنطقة ومن لا يمكنه الاشتراك في خدمة الموّلدات الكهربائية التي يوفرها بعض التجار “يفسد طعامه، ويتعذب حرا”، كما تقول وهبي.

وكان قطاع السياحة تكبد خسائر كبيرة منذ 2011 بعد اندلاع الثورة السورية وانقطاع الطريق البرية بين لبنان وسوريا، قبل أن تتفاقم الخسائر في 2014 و2015 و2016 بسبب الأوضاع الأمنية غير المستقرة، والأزمات السياسية والفراغ الرئاسي لعامين ونصف العام، وتدهور العلاقات مع دول الخليج.

وأظهر تقرير العام الجاري عن المجلس العالمي للسفر والسياحة أن لبنان احتل المرتبة الـ39 من بين 185 دولة لجهة المساهمة المباشرة وغير المباشرة لقطاع السياحة والسفر في الناتج المحلّي الإجمالي لعام 2016، بنسبة 19.4 بالمئة، أي 9.2 مليار دولار، متجاوزا المتوسط العالمي البالغ 10.2 بالمئة.

الحل في التأقلم مع الطبيعة

ووفقا لبيانات وكالات الأرصاد الدولية أسهمت ظاهرة “إلنينيو” الاحترارية في عامي 2015 و2016 في المحيط الهادئ، مدفوعة بزيادة تركيز الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، في تلك الزيادة القياسية في درجات الحرارة.

ويشير تقرير بعنوان “علم المناخ: موجات الحرارة العالمية في ازدياد”، نشرته دورية نايشتر عام 2013، إلى أن موجات الحرّ ستصبح أوسع انتشارا بحلول عام 2040.

وبحسب التقرير الذي أصدره البنك الدولي في العام 2014 وهو بعنوان “اخفضوا الحرارة: مواجهة الواقع المناخي الجديد”، فإن آثار تغير المناخ، كموجات الحرارة المتطرفة، ربما لا يمكن الفكاك منها الآن، لأن نظام الغلاف الجوي للأرض في طريقه إلى أن يصبح بحلول منتصف القرن أكثر حرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية عن المستويات السائدة قبل الثورة الصناعية.

ويضيف التقرير أن الزيادة الكبيرة في موجات الحرارة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تصاحبها زيادة في متوسط درجات الحرارة، ستخلق ضغوطا حادة على الموارد المائية، تسفر عنها عواقب وخيمة على الأمن الغذائي للمنطقة، وربما تؤدي إلى الهجرة وزيادة مخاطر نشوب صراعات.

ويحذر تقرير البنك الدولي من أن بيروت ستشهد 126 يوما حارا سنويا، لتحلّ بعدها الرياض مباشرة على قائمة الدول العربية التي ستشهد ازديادا في عدد أيام السنة الحارة. وإن موجات الحرارة المتطرفة ستنتشر في مساحات أكبر من الأراضي ولفترات زمنية أطول، ما يجعل بعض الأجزاء غير صالحة للسكن، ويحدّ من قدرة أجزاء أخرى على الزراعة. وستشعر المدن بأثر ارتفاع مستوى سطح البحر.

وتابع التقرير أن معظم عواصم المنطقة ستواجه أربعة أشهر من الحرارة المفرطة كل عام.

الرياض ستحل بعد بيروت على قائمة الدول العربية التي ستشهد ازديادا في عدد أيام السنة الحارة

منطقة غير قابلة للعيش

صدر العام الماضي عن وزارة البيئة، ضمن التقرير الوطني الثالث لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية حول تغير المناخ، السجل اللبناني الرسمي الأحدث حول التغييرات المناخية المستقبلية، والذي أشار إلى أن تحليل السجلات المناخية التاريخية، منذ وقت مبكر من القرن العشرين، مع مسارات الانبعاثات في المستقبل، يؤكد أنه لا سابق لارتفاع درجات الحرارة المتوقع في لبنان.

وتشير التوقعات المناخية إلى زيادة قدرها 1.7 درجة مئوية بحلول منتصف القرن الحالي. وزيادة تصل إلى 3.2 درجة مئوية بحلول العام 2100، إلى جانب انخفاض في هطول الأمطار من 4 إلى 11 بالمئة، مع ظروف أكثر جفافا في نهاية القرن.

وتظهر التوقعات أيضا زيادة في اتجاهات ارتفاع الحرارة بما يصل إلى 43 يوما إضافيا، مع درجة حرارة يومية قصوى أعلى من 35 درجة مئوية، وزيادة في عدد الأيام الجافة المتتالية عندما يكون هطول الأمطار أقل من 1.0 ملم بحلول نهاية القرن، مما يتسبب في إطالة موسمية وتوسع جغرافي لفترات الجفاف. وسيتسبب هذا المزيج من الظروف الرطبة الأقل بكثير والأكثر دفئا، إلى حد كبير، في مناخ أكثر حرارة وجفافا.

وستتسبب الزيادات في درجات الحرارة بلبنان في ارتفاع حالات وفاة سنويا بين العامين 2010 و2030. وبحسب التقرير، فإن التكاليف التي قد تفرضها زيادة حدة ارتفاع الحرارة على شرائح مختلفة من الاقتصاد والمجتمع اللبناني ستصل إلى 38 مليون دولار في العام 2020، لتصل إلى 840 مليون دولار بحلول العام 2040 و8600 مليون دولار بحلول العام 2080.

وبالعودة إلى تقرير لبنان الثاني، إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية حول تغير المناخ، الذي صدر عام 2011، يتبين أن معدّل درجات الحرارة سيرتفع بحلول سنة 2040 بين درجة مئوية واحدة على الشاطئ ودرجتين مئويتين في الداخل، وبين 3.5 على الشاطئ و5 درجات مئوية في الداخل بحلول سنة 2090. الأمر الذي يعني أن أجزاء واسعة من منطقة الهرمل، ستصبح غير قابلة للعيش، وبالتالي، غير آهلة بالسكان.

كما يشير التقرير إلى ازدياد عدد أيام الصيف الحارة والليالي الحارة، شهرين على الأقل، وارتفاع سطح البحر تدريجيا بمعدل 20 ملم/سنة، ممّا يعني أن منسوب المياه قد يرتفع بين 30 و60 سنتم في الثلاثين سنة المقبلة، ممّا سيؤثر حتما في الشواطئ الرملية في الجنوب وعلى محمية جزر النخل الطبيعية، شمالا، وفي الأنظمة الإيكولوجية الأرضية، حيث من المتوقع اختفاء بعض أنواع النباتات واستبدالها بأخرى.

وستتعرّض غابات الأرز للتهديد بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وسيتناقص الغطاء الثلجي في لبنان في حدود 40 بالمئة، فيما لو زادت الحرارة درجتين، بينما سيصبح الانخفاض 70 بالمئة عند ارتفاع درجة الحرارة أربع درجات، ممّا ستكون له آثار سلبية على تغذية الأنهار ومخزون المياه الجوفية.

20