الصيني بي داو تحت سماء القيامة القرمزية

الأحد 2014/11/09
بي داو شاعر متمرد أسس أول مجلة شعرية حرة في الصين سرعان ما أغلقتها الدولة

لأنه قادم من الشمال، ويعشق العزلة، فقد أطلق “شاو شينكاي Zhao Zhenkai”، على نفسه، اسم “بي داو Bei Dao”، والذي يعني: الجزيرة الشماليّة. ولأنه كان، أيضًا، ضد أسلوب الواقعيّة الاشتراكيّة المقرّر سلفًا، فقد أسّس، في العام 1978، رفقة مانغْ كي، أول مجلة أدبية، غير رسميّة، تظهر في الصين، منذ استيلاء الحزب الشيوعي على مقاليد الحكم في العام 1949.

ولأنه كان يبحث، مع رفاق دربه الآخرين، كغُو شنغ وشو تنغ ويانغ ليان، عن “شعريّة طازجة” تكتب الزمن الراهن ولحظته الخاطفة-الحاسمة، فقد أطلقوا على تلك المجلة اسم “اليوم”. ظلت هذه المجلة تنشر أشعار هؤلاء المبشرين بالحرية، الباحثين عن لغة جديدة وطرائق جماليّة جديدة، تكسر قيود “الثورة الثقافيّة”، حتى ضاقت السلطات بها ذرعًا، فأغلقتها في العام 1980.

ولأنّه “الضمير الشعريّ” للمنشقين الصينيّين” لأكثر من عشرين عامًا، فإنه لا يزال يعيش في المنفى، منذ مجزرة ساحة تيان آنمن في العام 1989. يقارن النقّاد شعره بالشّعر الذي كتبه باول تسيلان وثيسار بايّيخو: من حيث أنّهم قد خلقوا شعرًا جديدًا، ولغة جديدةً، في محاولة للتّعبير عن الأحداث الهائلة التي وقعت في أزمانهم.

نبذ “داو” طرائق الشعر التي كانت سائدة في بلاده، فكتب شعرًا أكثر موضوعيّة، وأكثر صوريّة وسورياليّة؛ متأثّراً، على نحو بالغ، بشعراء من أمثال لوركا وألبيرتي وإيلوار؛ شعرًا عُرف، في الدّوائر الأدبيّة الرسميّة، بـ”الشعر السّديمي” (misty poetry) أو (menglongshi).

وفي العام 2002، زار بي داو فلسطين، رفقة كتّاب عالميين آخرين، وحلّوا ضيوفًا على محمود درويش في رام الله.

قداس الموتى

عام 2002 زار الشاعر الصيني داو فلسطين وحل ضيفا على محمود درويش في رام الله

ليسَ الأحياءُ بلِ الموتى

تحتَ سماءِ القيامةِ القرمزيّةِ

يذهبونَ زرافاتٍ

يكابدونَ، يتقدّمونَ، ويكابدون

في آخرِ الكراهيةِ الكراهيةُ

لقد جفّ النّبعُ، والحريقُ الهائلُ يمتدُّ

وطريقُ العودةِ أكثرُ بعدًا

ليستِ الآلهةُ بلِ الأطفالُ

بينَ تصادمِ الخوذِ

يرتّلونَ صلواتهم

الأمّهاتُ يلدنَ الضيّاءَ

والعتمةُ تتنفّسُ الأمّهاتِ

الحجرُ يدورُ، والسّاعةُ إلى الوراءِ تدورُ

وللتوِّ قد حلَّ كسوفُ الشمسِ

ليستْ أجسادكم بل أرواحكم

التي سوف تتقاسمُ يومَ ميلادٍ مشتركًا في كلّ عامٍ

فأنتم، جميعكم، بعمرٍ واحدٍ

لقد أوجدَ الحُبُّ للموتى

تحالفًا أبديًّا

تعانقونَ بعضكم ضمًّا

في سجلِ الموتى الهائلِ.

****


المرآة ذات الجانب المزدوج

في الطريق الخطأ
تُسيّجُ الأيّامُ الماضيةُ

زهرةَ اللّحظةِ

واللّيلُ الذي يجعلُ الصّبا أبيًّا

يتعثّرُ وهو يحضنُ أحجارًا

ويكسّرُ في الأحلامِ زجاجًا

فلمَ التريّثُ هَا هُنَا؟

رسائلُ منتصفِ العُمْرِ تنشرُ

أحزانًا واسعةً

أحذيةُ اليقينِ تسكبُ

رملًا، أو خُططًا

غير مهيّأةٍ أبدًا

أمشي أبعدَ

في بيانِ مؤتمرٍ

مقتفيًا أثرَ التّحريفِ في حرفِ جرٍّ

ملتحقًا بالأطيافِ

في الطّريقِ الخطأِ لتحيّةِ الغروبِ


لقد رأينا في المرآةِ

أشياءَ من ماضٍ بعيد:

غابةَ شواهدٍ، القوائم النّاجيةَ

لمقاعدَ أُضرمت فيها النيرانُ

وعلاماتِ حبرٍ غير ناشفةٍ في السّماءِ

الضّجيجُ يأتي من الطّرفِ الآخرِ للمرآةِ

طريقُ المستقبلِ الصّاعدةُ

مزلجةٌ هائلةٌ زلقةٌ

وبعد أن خبرنا مسرّةً هاذيةً

وُلدنا من المرآةِ

وسوفَ نبقى، ها هُنا، إلى الأبدِ، نرقبُ

الأشياءَ من ماضٍ بعيد.

****


الرسالة

أينَ أنتم

أينَ مضيقُ الوردِ

أينَ الدّربُ في النّارِ

أينَ القمّةُ التي تنسى قسَمها

أينَ الإجّاصةُ

التي ينغلقُ، كصدفةٍ بحريّةٍ، جسدُها

أينَ كرنفالُ ما قبلَ القيامةِ

أينَ نجمةُ العلَمِ الظّافرةُ

أينَ مركزُ الضّبابِ الكثيفِ

أينَ أنتمُ

أينَ نحنُ.

نحن

أرواحٌ ضائعةٌ وأنفُسٌ مبعثرةٌ

نرفعُ المصابيحَ ونطاردُ الرّبيع

النّدبُ تنكمشُ، والأقداحُ تدورُ

لقد خُلقَ الضَّوءُ

أُنظر إلى تلكَ اللّحظةِ الآسرةِ

لصٌّ ينسلُّ إلى مكتبِ البريدِ

الرّسائلُ تصرخُ

أيّتها الأظافرُ، أيّتها الأظافرُ

لا تتغيّرُ القصائدُ الغنائيّةُ قطُّ

تحتشدُ نيرانُ الغابةِ

تبحثُ عن جمهورٍ يُنصتُ

تبحثُ عن قلبِ الشّتاءِ

نهاية النّهرِ

نوتيٌّ ينتظرُ شفقًا لا يُحدُّ

لا بُدّ لأحدٍ، هناكَ، أن يُعيدَ كتابةَ الحُبِّ.

****


غريب

ورد الزمن
حينَ ينامُ الحارسُ

تستديرُ معَ العاصفةِ

لتكبرَ مُعانِقًا

هي وردةُ الزّمنِ

حينَ تعرفُ طرُقُ العصافيرِ السماءَ

تنظرُ خلفكَ على المغيبِ

لتنبلجَ في التّلاشي

هي وردةُ الزمنِ

حينَ تنحني السكّينُ في الماءِ

تعبرُ الجسرَ ماشيًا على أغنياتِ النّاي

لتصرخَ في الدّسيسةِ

هي وردةِ الزّمنِ

وحينَ يخطُّ الأفْقَ قلمٌ

تصحوْ على ناقوسٍ في الشرقِ

لتورقَ في الأصداءِ

هيَ وردةُ الزمّنِ

ثمّةَ في المرآةِ

هذي اللّحظةُ دومًا

هذي اللّحظةُ تفضي إلى بابِ الولادةٍ ثانيةً

والبابُ ينفتحُ على البحرِ

وردُ الزّمنِ.

جيلٌ يسقطُ كستارةٍ

والثّاني يصفّقُ

العُمر الذي عرفتَهُ

مختبئًا في أمكنةٍ عاتمةٍ

قد صارَ يلفتُ النّظرَ،

يتلمّسُ خطوَهُ في العتمةِ. هَا، لذلكَ، ضوءٌ

يتركُ لنصفِ حياةٍ أن تُفرغَ نفسها

وتمتلأَ بأغنيةِ الكُركيِّ

شخصٌ ما يسبحُ في المرضِ

وريحُ الشّتاءِ تتقرّى

الأمزجةَ الخفيفةَ للحيواناتِ الصّغيرةِ

الطّريقُ تضمُّ النّومَ

وفي الضّوءِ السّاطعِ الذي هزمكَ

تقفُ سريعًا عندَ السّياجِ الذي لا يُسمّى.

****


قرن جديد


مُتيّمةً بالمجدِ، سوداءَ تكبرُ الأرضُ.

نقرأُ الحقيقةَ

على ضوءِ كتابِ الإسمنتِ.

قنبلةُ الذّهبِ تنفجرُ

فنصيرُ ضحايا مُريدينَ،

نزهو بجراحنا.

ذاتَ يومٍ سيكتشف عالمُ آثارٍ على صورةٍ سلبيّةٍ

طيفَ عصرنا.

سينتزعهُ منهُ طفلٌ قائلًا، كلّا—

إنّه التاريخُ الذي يحرمنا أن نطيرَ،

إنّه الطائرُ الذي يحرمنا أن نسيرَ،

إنّها السّاقُ التي تحرمنا أن نحلمَ،

وإنّهُ نحنُ، نلِدُ أنفسَنا،

إنّها الولادةُ عينُها.

15