الصيني يانغ إرمين رسام الواقعي والمتخيّل

الطبيعة الميتة تنبض بدفق الحياة في لوحات الرسام الصيني يانغ إرمين.
الاثنين 2020/10/19
طبيعة ميتة باقية على قيد الحياة

حتى أواسط شهر فبراير القادم، يحتفي متحف الفن والتاريخ لويس ستنليك الفرنسي بالفنان الصيني يانغ إرمين، من خلال معرض يتمحور حول ثيمتين هما المناظر الطبيعية التي تمثل الجنس الأكثر نبلا في الفنون التشكيلية الصينية، والطبيعة الميتة.

يعتبر الفنان الصيني يانغ إرمين، الذي يدير حاليا معهد البحوث في التصوير المائي بأكاديمية الفنون بمدينة نانكان، من أهم رواد التجديد في فن الرسم بالألوان المائية، والمعروف أن هذا الفن التقليدي كان الصينيون يمارسونه منذ القرن العاشر باستعمال الحبر الأسود فقط، غير أن يانغ أدخل عليه الألوان، وجعل لوحاته طبقات متتالية موحدة، قبل أن يتحوّل إلى تشظية الموتيف بشكل تبدو فيه المناظر الطبيعية وكأنها تُرى من وراء نافذة أو عدة نوافذ، مع مواصلة استعمال الرسم المائي (لافيس)، وهي المرحلة الحديثة في تجربته.

والمعلوم أن الأشكال التقليدية أقصيت من المشهد زمن الثورة الثقافية في الصين (1966-1976) ثم عادت في الثمانينات كشكل من أشكال التعبير المتجددة.

يانغ أرمين، الذي حاز شهرة عالمية، هو رسام ونقاش ونحّات، ولد عام 1971 في كويان بمحافظة هيبي غير بعيد عن العاصمة بيكين، ونشأ في أسرة علّمته تذوّق الفنون التشكيلية والآداب والعلوم، وكان انجذابه بصفة خاصة إلى الرسم. فمنذ سن السادسة عشرة، وأثناء أداء واجبه العسكري، طُلب منه إنجاز أعمال دعائية للجيش الصيني.

انتقل بعدها إلى طوكيو حيث درس وتخرّج في جامعة الفنون الجميلة، وعاشر عن قرب أعمال الفنانين اليابانيين الكبار مثل مورونوبو، وهوكوساي، وهاشيموتو غاهو وهيروشيغه، فكانت بدايته الحقيقية مع الألوان والفرشاة.

وكان في تلك المرحلة يحاول أن يلتقط المناظر الطبيعية في سهول الصين ومرتفعاتها، لاسيما سلسلة جبال تايهانغ، على غرار الياباني هوكوساي، ويستخدم ورق “كسوان” وهو ورق مصنوع يدويّا من اللحاء الصلب لخشب الصندل الأزرق وقش الأرز، ويتميّز بسطحه الأملس والصلب، وقدرته على امتصاص الماء وترطيب الحبر والانثناء عدة مرات دون تمزّق.

وما هي إلاّ بضعة أعوام حتى تخلى هانغ عن التقليد ليخوض تجربته الخاصة، فمضى يستلهم من الشرق والغرب مادة فنه، ويخلق توازنا بين العرضي والدائم، والمستوحى والأصيل، والواقعي والمتخيل. وبعد أن تجاوز مرحلته التصويرية الواقعية، انتقل إلى أعمال تنقل المشاعر، وتفتح على عالم عميق ومتألق تنبعث منه رقة غامرة.

ولعل أهم عمل يبيّن هذا التحوّل لوحة “من أين جئنا؟” فهي تحيل على لوحة لغوغان بالاسم نفسه، وتتألف في الواقع من خمس لوحات، يتوسطها بورتري للفنان الصيني كي بايشي (1846-1957) محاطا بأطفاله الثلاثة.

أعمال فنية تتسم بالجدة والشاعرية
أعمال فنية تتسم بالجدة والشاعرية

استفاد يانغ في مقاربته الفنية من معاشرته للوحات كبار الفنانين في اليابان وفي الصين أيضا خصوصا خلال حكم أسرة تانغ (618-907) ثم في عهد سلالة كينغ (1644-1911)، وكذلك من أعلام الرسم الأوروبي في القرن التاسع عشر، ممّن أبدعوا آثارا تمثل مناظر طبيعية، سواء في مراسمهم أو في الهواء الطلق، أمثال موني وسيزان وبونّار وماتيس وفان غوخ، ليخلق أعمالا تتسم بالجدة والشاعرية، يبدو فيها حرصه على خلق توازن بين الأشكال والألوان للوصول إلى تناسق ترتاح لمرآه العين.

ذلك أن يانغ يستلهم فنه من ملاحظة ما حوله، في المدينة أو خارجها، ومن ثَمّ كانت ثيماته تتراوح بين البورتريه والطبيعة الميتة والمناظر الطبيعية، ولو أن معرضه المقام حاليا بمتحف الفن والتاريخ لويس ستنليك الفرنسي ركّز على الثيمتين الأخيرتين.

ولئن بدا تأثره بسواه واضحا في أعماله الأولى بخاصة، فإن شخصياته وموتيفاته تبدو دائما منصهرة في بيئة محلية، إذ أن كل قطعة أو أداة أو آنية تعكس انتماءها للتربة التي وجدت فيها. كذلك المناظر الطبيعية والشخصيات، ولو أنه يتناولها بطريقة تترك انطباعا بأنها غائمة أو مترجرجة، حتى لكأنها تتبدّى من خلف زجاج في يوم ممطر.

لقد ظلت الفنون الصينية زمنا طويلا تقليدية، محافظة على أساليبها القديمة، دون بحث جاد عن سبل غير مطروقة، وكان السؤال الذي يطرحه النقاد والمنظرون في الصين منذ الثمانينات: كيف السبيل إلى التجديد مع المحافظة على التراث؟ أي كيف السبيل إلى تجديد الرسم المائي الذي ظل حتى وقت قريب مرتبطا بتصوّر تقليدي يرى أصحابه أن الرسم المائي لا يقبل استعمال الألوان المكثّفة؟

يانغ إرمين اهتدى إلى حل وسط بالمزاوجة بين الحبر الغامق واللون المكثف، قبل أن يمرّ إلى استعمال الألوان، فسار على نهجه أنصار كثر.

في لوحاته، تبدو النظرة إلى الطبيعة، هذا الكون الذي يشمل الإنسان ويذكّره بضرورة التواضع أمامه، نظرة إعجاب وافتتان، فتغدو اللوحة دعوة إلى التفسّح والارتحال بين السهول المزهرة، والجبال المكسوة بالخضرة أو الثلوج.

كذلك الطبيعة الميتة التي تبدو هنا أقرب إلى مصطلحها الإنجليزي “باقية على قيد الحياة”، فعناصرها هادئة، كأنها لا تزال تنبض بدفق الحياة. وفي الجملة تبدو موتيفاته الزهرية أو الهندسية أو التجريدية ذات جمالية مخصوصة، في تناسق وتناغم مع سلّم تدرج لوني كثيف ومتحرّر، ما يعكس هواجس هذا الفنان الذي يعيش في مجتمع لا يني يتغيّر.

16