الصين أقرب إلى الشرق الأوسط من أي وقت مضى

بكين تسعى بصورة رئيسية إلى الحفاظ على الوضع الراهن في الشرق الأوسط للحفاظ على مصالحها المتزايدة في المنطقة لأن تكلفة عدم الاستقرار ستكون باهظة.
الاثنين 2020/01/20
بكين لا تحيد عن الخطابات الناعمة

دفع تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في الفترة الأخيرة بعد عملية قتل قاسم سليماني إلى تواتر الحديث عن إمكانية واردة لنشوب مواجهة عسكرية تهدّد استقرار منطقة الشرق الأوسط والمصالح المتشابكة لبعض القوى الأخرى. وتعد الصين كقوة صاعدة في موازين القوى الدولية من أكثر الدول المعنية بهذا الصراع ولذلك تتباين الآراء بشأن كيفية تفاعلها مع التطورات الجديدة بين من يرى أنها تريد تواصل انشغال واشنطن بقضايا أخرى لتحقق قفزة جديدة بعيدا عن الحرب التجارية التي يخوضها ضدها دونالد ترامب، وبين أطراف أخرى تعتبر أن بكين تعد أكثر الدول حرصا على استقرار الشرق الأوسط لضمان مصالحها.

بكين- حوّل الصراع الأميركي الإيراني مؤخرا منحى النقاش من التخوفات من إمكانية أن تصل المعركة إلى مواجهة عسكرية إلى مسار آخر يتناول بالطرح كيفية تفاعل القوى الدولية الأخرى مع هذه التطورات.

تمتلك واشنطن وكذلك طهران نفوذا كبيرا في منطقة الشرق الأوسط، الأولى عبر قوتها العسكرية وإدارتها لخيوط الصراعات الدائرة في المنطقة، فيما لازالت إيران تراهن على أذرعها وميليشياتها في دول عديدة كالعراق ولبنان وسوريا واليمن للسيطرة على الشرق الأوسط.

لكن صراع المصالح في الشرق الأوسط، لا يقتصر على هذين القوتين، بل توجد قوى أخرى لديها الكثير من المصالح التجارية والسياسية تجعلها معنية بالإقليم، منها الصين التي دعت ساعات فقط بعد عملية قتل قاسم سليماني إلى وجوب ضبط النفس لتجنيب المنطقة مواجهة عسكرية تهدد مصالح الجميع. لكن رغم أن بكين تحلت في بياناتها السياسية بخطابات وبيانات هادئة وناعمة، إلا أن الحديث عن إمكانية اندلاع هذا الصراع كانت محور الكثير من المحللين والخبراء الذين يعتبرون أنه يمكن أن تكون بكين المستفيد رقم واحد من تواصل هذه الحرب مثلما فعلت ذلك في محطات سابقة خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 أو بعد الغزو الأميركي للعراق في عام 2003.

ما بعد مقتل سليماني

 كان الهجوم الأخير الذي قتلت فيه الولايات المتحدة قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وما أعقبه من هجوم استهدفت به إيران قاعدتين عسكريتين أميركيتين في العراق، ضمن مؤشرات احتمال نشوب حرب تقودها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تهدد مصالح القوى الدولية الأخرى.

وفي علاقة بتعاطي الصين مع المتغيرات الشرق أوسطية، يقول جود بلانشيت، مسؤول الدراسات الصينية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، وبونى غلاسر، مستشارة شؤون آسيا ومديرة مشروع قوة الصين بالمركز، في تقرير لهما نشر مؤخرا أن البعض رأى أن الصين ترحب بأي حرب تخوضها الولايات المتحدة مع إيران، لأن ذلك من شأنه أن يصرف نظر واشنطن عن التركيز على التنافس الاستراتيجي مع بكين، مما يمنح الصين فرصة مواصلة بناء قوتها وتعزيز صورتها كدولة تحافظ على النظام الدولي في ظل تراجع دور أميركا في قيادة العالم.

أفشين مولوي: دول المنطقة باتت لا تملك خيار الاقتراب من الصين أو الابتعاد عنها
أفشين مولوي: دول المنطقة باتت لا تملك خيار الاقتراب من الصين أو الابتعاد عنها

وكانت هجمات 11 سبتمبر عام 2001، وما نجم عنها من غزو الولايات المتحدة لكل من العراق وأفغانستان، بمثابة البداية لما وصفه الرئيس الصيني آنذاك جيانغ زيمين بنافذة فرصة استراتيجية، حيث أدركت القيادة الصينية على الفور أن انشغال الولايات المتحدة، وغرقها في حروب متعددة في الشرق الأوسط، من شأنه إعطاء الصين مساحة حرية تحرك لتعزيز النمو الاقتصادي للبلاد وتوسيع نطاق قدرتها العسكرية، دون ضغط أميركي.

كما كان الوجود الأميركي في الشرق الأوسط في تلك الفترة من أسباب حدوث انقسام غير عادي، ليس فقط على المستوى المحلي، ولكن أيضا بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة الذين شاركوا في جهود حربية. ومن شبه المؤكد، أن أي حملة عسكرية جديدة ضد إيران من شأنها أن تؤدى إلى توتر العلاقات حتى مع أقرب الحلفاء، الذين تحاول واشنطن تجنيد الكثير منهم في جهودها لمواجهة أي إمكانيات عسكرية وتكنولوجية إيرانية متزايدة.

ويرجح المتابعون أنه إذا ما جرى استدراج الولايات المتحدة إلى مستنقع طويل الأمد في الشرق الأوسط على نطاق كبير، فإنه لا شك في أن بكين سوف تسعى إلى الاستفادة من هذا التحول الاستراتيجي.

ويلفت بلانشيت وغلاسر النظر إلى أنه على الرغم من أن تورط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط كان عنصرا مهما لنافذة الفرصة الاستراتيجية بالنسبة للصين في مطلع القرن الحالي، فإن الظروف الآن مختلفة بدرجة كبيرة، ففي ضوء اعتماد الصين الكبير على إمدادات المنطقة من الطاقة واستثماراتها المتزايدة في الدول العربية، تسعى بكين بصورة رئيسية إلى الحفاظ على الوضع الراهن؛ إذ إنّ بقاء الشرق الأوسط مستقرا هو خيار أفضل بالنسبة للصين من أي حرب تعرض للخطر حجم مصالحها المتزايدة في المنطقة.

وضع مختلف

يؤكد الباحثان أن عام 2020 ليس مثل عام 2001، ولا شك أن اتساع نطاق المصالح والاستثمارات العالمية الصينية يعنى أن تكلفة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط ستكون باهظة، حتى لو أضعف ذلك قدرة الولايات المتحدة على الانخراط في منافسة مع الصين. وبالنسبة لاحتياجات الصين من الطاقة، فإنها على خلاف الدول الكبرى الأخرى التي لها مصالح في المنطقة، مثل روسيا والولايات المتحدة، تعد دولة غير منتجة للنفط أو الغاز، ولكنها مستهلكة بدرجة كبيرة، حيث تمثل وارداتها 70 بالمئة من استهلاكها من النفط. وفى عام 2017، تجاوزت الصين الولايات المتحدة لتصبح أكبر مستورد للنفط الخام، وفي ظل مواصلة الصين جهودها لرفع مستوى المعيشة والتحول إلى استهلاك محلى متزايد، بالإضافة إلى تحقيق الاستقرار لاقتصادها المتباطئ، سوف تكون الأولوية الحصول على إمدادات مستقرة من الطاقة.

ورغم أن روسيا تعتبر مصدر النفط الخام الرئيسي بالنسبة للصين، فإن أكثر من نصف وارداتها يأتي من الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط( أوبك). وتعتبر المملكة العربية السعودية والعراق وسلطنة عمان، أكبر ثلاث دول في الشرق الأوسط تمد الصين بالنفط، بما يمثل حوالي ربع إجمالي واردات العملاق الآسيوي من الخام. وإيران نفسها تمد الصين بــ585400 برميل من الخام يوميا. ومن ثم فإن أي توقف في هذه الإمدادات، سوف يكون مكلفا بدرجة كبيرة للصين على المدى القصير.

ورغم أن بكين تحاول جاهدة تحويل اقتصادها نحو مصادر أكثر استدامة للطاقة، لكنها تظل في الحقيقة تحتاج الحصول على الوقود في الوقت الحالي، نظرا لأنه يوجد في الصين حوالي 300 مليون سيارة تعمل بالغاز والديزل. وهناك أمور مهمة بالنسبة للصين أكثر من مجرد إمدادات الطاقة، ففي الوقت الحالي يعيش حوالي نصف مليون صيني ويعملون في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى حجم الاستثمار المتزايد للصين في المنطقة، فقد قدمت بكين أكثر من 23 مليار دولار في شكل قروض ومساعدات للمنطقة في عام 2018، تضاف إلى 28 مليار دولار استثمارات.

البعض يعتبر أن الصين ترحب بأي حرب تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران لأن ذلك يصرف نظر واشنطن عن التركيز على التنافس الاستراتيجي والتجاري مع بكين

ويقول في هذا الصدد، أفشين مولوي الخبير في معهد السياسة الخارجية التابع لكلية الدراسات الدولية المتطورة بجامعة جون هوبكنز الأميركية، إن “العديد من دول المنطقة باتت لا تملك خيار الاقتراب من الصين أو الابتعاد عنها، فلقد مضى وقت ذلك بالفعل بالنظر إلى عدة حقائق؛ منها أن الصين تعُد أكبر مستثمر أجنبي مباشر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأكبر مشتر للنفط الإقليمي، وأكبر شريك تجاري للدول الأعضاء في الجامعة العربية. حيث يتخطى حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية 200 مليار دولار ومن المتوقع أن يزيد عن ذلك”.

ويؤكد أن دبي تعتبر من ميناء جبل علي مركزا رئيسيًا لإعادة شحن البضائع الصينية التي تدخل أسواق الخليج وأفريقيا وجنوب آسيا. ويضيف مولوي “تستخدم الشركات الصينية مجموعة من المنشآت لبيع منتجاتها في المنطقة مثل ‘دراغون مارت’ في مدينة دبي – وهو مركز تجاري يبيع البضائع بالجملة (والتجزئة) – مما يجعله منافسًا لمعرض كانتون التجاري الذي يقام مرتين في العام. وهذا يجعل دبي مساهمة في زيادة أرباح التصدير العائدة على الاقتصاد الصيني”.

 أما في علاقة بمنطقة تقاطع البحر الأحمر مع البحر المتوسط، يقول مولوي “تعتبر القاهرة القاعدة المركزية للصادرات الصينية المتوجهة إلى قارة أفريقيا”. ويرتكز المدافعون على فكرة أن بكين تعد الباحث رقم واحد عن الاستقرار في الشرق الأوسط على عدة حقائق أكدها التوجه السياسي للصين ومنها دعواتها الواضحة والقوية طوال الفترة الماضية إلى ضبط النفس من جانب كل من الولايات المتحدة وإيران.

ويعززون هذا الموقف بالاعتماد على ما قاله وزير الخارجية الصيني وانغ يي في الرابع من يناير الحالي “يتعين ضمان السلام والاستقرار في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج”، فالحقيقة التي لا مراء فيها هي أن للصين مصالح كبيرة للغاية في المنطقة، ولذلك فهي لا تريدها أن تتحول إلى الفوضى”.

6