الصين تتمدد بصمت في العراق مستغلة ضبابية الرؤية الأميركية

بكين أكبر شريك تجاري لبغداد متفوقة في ذلك حتى على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
الخميس 2020/12/10
شراكة اقتصادية أم توسيع نفوذ

واشنطن - يمثل التنافس بين القوى الكبرى في منطقة الشرق الأوسط محورا رئيسيا يشغل بال الولايات المتحدة على الدوام، لكن رغم قرب تنصيب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة في 20 يناير المقبل، فإن موقف إدارته تجاه العراق ما زال غامضا.

لم يذكر بايدن الكثير حول استراتيجيته تجاه البلد بخلاف التعهدات بإنهاء "الحروب الأبدية" وسحب القوات الأميركية من الشرق الأوسط، مع اعترافه بأنه في ضوء التهديد الإرهابي في سوريا والعراق سوف تكون هناك حاجة إلى بقاء بعض القوات.

وتقول آنا بورشفسكايا المحللة بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأميركية "سوف يكون من غير الواقعي أن يتصدر العراق قمة جدول أعمال بايدن بالنظر إلى الأولويات الداخلية الملحة والرصيد السياسي العام المحدود في ما يتعلق بالعراق. فما زال بايدن، وأنتوني بلنكين الذي اختاره وزيرا للخارجية ويوصف بأنه أحد 'أقرب مستشاريه والأكثر ثقة به' يريان أن روسيا والصين من بين أولويات السياسة الخارجية الأميركية، ولهذا السبب لديهما الفرصة لاتباع وجهة نظر استراتيجية طويلة تجاه العراق".

وتضيف بورشفسكايا أنه "مع مواصلة تركيز مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية على المنافسة بين القوى الكبرى، فإن دعم الأمن العراقي والديمقراطية العراقية لن يؤدي فقط إلى كبح الطموحات الإيرانية ولكن أيضا كبح الطموحات الروسية والصينية".

 وأدرك محللون منذ وقت طويل أن الهدف الرئيسي للمشروع الاقتصادي الصيني "حزام واحد، طريق واحد" والمعروف بمبادرة الحزام والطريق هو هدف سياسي جغرافي أساسا.

وتسعى الصين لإبراز نفسها كقوة عالمية عظمى، حيث يعتبر الشرق الأوسط الذي ظهر في السنوات الأخيرة كأكبر مورد للوقود لبكين، منطقة استراتيجية مهمة ضمن مخططاتها الاستراتيجية العالمية.

وتتطلع بكين إلى تعزيز وضع رئيسي في العراق، ليس فقط بسبب الموارد النفطية الكبيرة التي تتمتع بها البلاد، ولكن أيضا ربما الأمر الأكثر أهمية هو بسبب موقعه الاستراتيجي المهم لترسيخ وضع مهيمن لها يربط طرق التجارة الأوروآسيوية.

وتشير بورشفسكايا إلى أن "الصين تربطها شراكة بالفعل مع إيران. وأي نظرة سريعة إلى خارطة مبادرة الحزام والطريق توضح أن إيران تعتبر نقطة ارتكاز إقليمية أساسية في هذه الخطط، بينما سعت طهران وبكين في الشهور الأخيرة إلى زيادة تعميق شراكتهما. لكن الصين تحتاج العراق أيضا، ولذلك عكفت الصين بهدوء على زيادة تواجدها في العراق في السنوات الأخيرة".

وبرزت الصين كأكبر شريك تجاري للعراق، متفوقة حتى على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، حيث يعدّ العراق ثالث أكبر دولة موردة للنفط للصين، بعد المملكة العربية السعودية وروسيا.

وتعمل الشركات الصينية في العراق، بما في ذلك في حقول النفط في جنوب البلاد، وتشارك في خدمات مثل صيانة محطات الطاقة. ويلاحظ العراقيون أن بعض رجال الأعمال الصينيين  يتحدثون اللغة العربية والكردية بطلاقة، بما في ذلك باللهجات المحلية، مما يبرز التزامهم التام. وما زالت الصين تتوق إلى إبرام المزيد من الاتفاقيات التجارية مع العراق.

وتقول بورشفسكايا إن "روسيا من ناحيتها تركز على مزاياها التنافسية في العراق، والتي تتمثل في الأسلحة، والطاقة، والاتصالات مع الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، في إطار الرؤية الأوسع نطاقا الخاصة بالتنافس مع الولايات المتحدة".

 وتضيف "روسيا مثل الصين، ليست  ذات وضع في الصدارة تماما في العراق، ولكن سوف يستمر اهتمامها وتنافسها على النفوذ في هذه القطاعات. وقد تركز قدر كبير من الاهتمام في السنوات القليلة الماضية على صفقة شركة النفط الروسية روسنيفت في كردستان، وفي حقيقة الأمر هي صفقة مهمة استراتيجيا".

 وتتعاون روسيا والصين أكثر مما تتنافسان، حيث أن الدولتين شريكتان أيضا مع إيران، فيما يواصل العراقيون اعتقادهم بأن روسيا على علم بتهديد إرهاب الميليشيات. ويرون أن الصين وروسيا على السواء أكثر استعدادا من الغرب للمخاطرة عندما يتعلق الأمر بالعمل في الظروف الخطرة وغير المستقرة، رغم أنهم يفضلون رؤية المزيد من الأميركيين ، والمزيد من المشاركة الغربية بوجه عام.

 وتساءلت بورشفسكايا قائلة "ماذا يعني كل ذلك بالنسبة للولايات المتحدة؟"، وأجابت بأنه بينما ترى الولايات المتحدة الشرق الأوسط بمثابة منطقة تشغلها عن التنافس بين الدول الكبرى، فإن كبار المتنافسين الأميركيين يرون المنطقة ككل، والعراق بوجه خاص، من خلال منظور استراتيجي واسع النطاق، ويعتبر العراق بالنسبة لهم جائزة. وكذلك فإن النفوذ المتزايد  للدول الأخرى في العراق سيتيح لها تشكيل العراق، وبالتالي المنطقة كلها، وفقا لقيمها ومصالحها التي تتعارض مع قيم ومصالح الغرب.

وأشارت بورشفسكايا إلى أنها في زيارتها الأخيرة سمعت تعليقات مشجعة من بعض شباب العراق أعربوا فيها عن رغبتهم في تحمل مسؤولية بلادهم، وأن لديهم أملا طويل المدى، أدى إلى خروج العراقيين إلى الشوارع في نهاية العام الماضي للمطالبة بمحاسبة الحكومة وإنهاء التدخل الإيراني.

وخلصت بورشفسكايا إلى أن مشاكل العراق عميقة، لكن البلاد تتمتع بإمكانية مذهلة لتصبح إحدى الدول الأكثر تقدما في المنطقة. ومن المؤكد أن طهران لا تريد أن تكون هناك مثل هذه الدولة العراقية، وبالمثل لا تريد ذلك موسكو أو بكين طالما أن مصالح هذه الدول مؤمنة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تركيا رغم أنها شريك تجاري معها للعراق، فإنها تسهم في حالة انعدام الأمن في العراق. وترك إيران وروسيا والصين تهيمن على العراق سيؤدي فقط إلى المزيد من عدم الاستقرار في المنطقة.