الصين تدخل في دوامة الشرق الأوسط

بكين تفرض نفسها بقوة على طاولة السياسة الدولية.
الثلاثاء 2018/02/27
الصين تقرر المجازفة باقتحام منطقة مليئة بالألغام

واشنطن - تمضي الصين قُدما في رسم ملامح جديدة لخارطتها الإستراتيجية العالمية. ولم تعد سياسة التوسّع والانفتاح تقتصر على الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا. أصبح للصين لليوم حضور أيضا على طاولة السياسة الدولية. وبات صوت الصين يسمع في فوضى الصراعات والتقلّبات والتدخلات في الشرق الأوسط.

ويعتبر جيمس دورسي، الباحث المتخصّص في السياسات الدولية وفي شؤون الشرق الأوسط، أن مغامرات الصين في المنطقة تجعل من الصعب عليها الحفاظ على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، مشيرا إلى أن للشرق الأوسط قدرة عجيبة على شفط القوى الخارجية في صراعاته.

ويظهر تخلّي الصين عن سياسة عدم التدخل في جهودها للتوسط في صراعات جنوب السودان وسوريا وأفغانستان وكذلك بين إسرائيل وفلسطين وحتى بين السعودية وإيران. ويتضح ذلك أكثر، وفق دورسي، في تخلّص الصين من تعهدها بعدم إقامة قواعد عسكرية في الخارج، وأصبح ذلك واضحا عندما أقامت قاعدة بحرية في جيبوتي، وعندما خرجت تقارير بأنها تعتزم استخدام ميناء باكستان غوادر في المياه العميقة كمنشأة عسكرية.

يعني هذا التضارب بين سياسة الصين على الأرض ومبادئها الراسخة في السياسة الخارجية القائمة على عدم التدخل في شؤون الغير أن بكين كثيرا ما تكافح من أجل تلبية انتظارات دول الشرق الأوسط. كما يعني أن الصين تخاطر بربط نفسها في أنشطة سياسية في بلدان مثل باكستان التي تحتضن جوهرة تاج مبادرتها “الحزام والطريق”، أي الممر الاقتصادي الصين- باكستان.

ويرى دورسي أن الصين لها اليد العليا في تنافسها مع الولايات المتحدة على النفوذ عبر منطقة الشرق الأوسط الكبير، بيد أنّ السياسات الصينية تهدد بأن تجعل تلك الأفضلية قصيرة المدى.

جيمس دورسي: الشرق الأوسط لديه قدرة عجيبة على شفط القوى الخارجية في صراعاته
جيمس دورسي: الشرق الأوسط لديه قدرة عجيبة على شفط القوى الخارجية في صراعاته

وتبيّن أن المشاريع المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق المموّلة من الصين سيف ذو حدين، إذ تتزايد المخاوف في بلدان مثل باكستان بأن الاستثمارات الصينية الضخمة يمكن أن تصبح فخ ديون شبيه بتجربة سريلانكا.

ويوحي تراجع الصين في عدة مشاريع في البنية التحتية الباكستانية بأن بكين تقلّص من مقاربة الممرّ الاقتصادي الصيني الباكستاني البالغة قيمته 50 مليار دولار. وترجع إعادة تفكير الصين في هذا المشروع إلى عدم الاستقرار السياسي بسبب سياسة باكستان المركّزة على خدمة مصالحها الذاتية واستمرار العنف السياسي، وبالخصوص في مقاطعة بلوشستان الموجودة في قلب المشروع.

في شهر نوفمبر 2017، قرّرت الصين إعادة ضبط معاييرها لتمويل مشاريع البنية التحتية في إطار مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.

وفي الظاهر يصل هذا التحرك إلى مجهود لتعزيز رهان الجيش الباكستاني في اقتصاد البلاد في الوقت الذي كان فيه يستعرض عضلاته ردّا على عدم الاستقرار السياسي.

ويوحي هذا القرار بأن الصين لا تحجم عن تشكيل البيئة السياسية للبلدان الرئيسة في قالبها الاستبدادي الخاص بها.

وعلى نحو مماثل أبدت الصين استعدادها لاستخدام باكستان ضد خصومها لمصلحتها الخاصة، إذ تستمر الصين في حماية مسعود أزهر (الذي يُعتقد أنه يملك روابط قوية بالمخابرات والقوات العسكرية الباكستانية) من تصنيف الأمم المتحدة له إرهابيّا دوليّا. تفعل الصين ذلك بينما تشنّ باكستان حملة قمعية على المقاتلين ردا على تعليق الولايات المتحدة للمساعدات وزيارة مراقبة من مجلس الأمن الدولي.

ويخدم استخدام باكستان للمقاتلين في نزاعها مع الهند حول كشمير مصلحة الصين في الإبقاء على الهند غير متوازنة، وهو هدف تعتبره بكين قيّما على الرغم من تعرض الموظفين الصينيين وممتلكاتها لهجمات حركة تمرد منخفضة المستوى في بلوشستان. وفي إطار هذا التنافس تساند واشنطن ميناء جابهار الإيراني المدعوم من الهند وهو لا يبعد عن ميناء غوادر أكثر من سبعين كيلومترا.

الصين بصدد اكتشاف استحالة تجنّب أخطاء الشرق الأوسط الكبير، وذلك على الرغم من كون الرئيس الأميركي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يركّزان بشكل على مجابهة إيران والإسلاميين المتشددين.

ويخلص دورسي إلى أن الصين وبينما تبحر عبر الألغام الكثيرة في المنطقة، من المرجّح أن تجد نفسها في خلاف مع كل من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. وسيكون لديها على الأقل مصلحة مشتركة في السعي إلى تحقيق الاستقرار السياسي على حساب التغيير السياسي، مهما كان ذلك مخالفا لالتزامها المعلن بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.

6