الصين تشرخ جدار الهيمنة المالية الأميركية

الاثنين 2015/04/13

لم ينصت العالم جيدا لصرخة الصين بعد اندلاع الأزمة المالية عام 2008، بضرورة إصدار عملة احتياطات عالمية مستقلة لتقليص هيمنة الدولار الأميركي على النظام المالي العالمي.

ودعت حينها إلى إشراف مؤسسة مالية عالمية مثل صندوق النقد الدولي على إصدارها، بعد إصلاحه وتقليص هيمنة الولايات المتحدة عليه، لتصبح تلك العملة العمود الفقري لاحتياطات المصارف المركزية على الأقل في بداية الأمر.

كان اقتراحا مثاليا وسابقا لعصره، لكنه كان يراود الكثير من الخبراء، كبديل لمواصلة العالم امتصاص ما تصدره واشنطن، وتمويل ديونها التي تزيد على 17 تريليون دولار وعشرات التريليونات الأخرى من السيولة والحقوق الأخرى.

احتكار واشنطن لدور البنك المركزي العالمي وإغراق العالم بديونها، كانا من أسباب الأزمة المالية العالمية، وهي تواصل الاقتراض بإيقاع خطير، رغم جبل ديونها المتراكمة، التي لا يمكن السكوت عليها إلى الأبد.

لم يكن العالم قادرا على تطبيق الاقتراح الصيني بسبب استحالة إقناع واشنطن بالتخلي عن عرشها، ولو بشكل تدريجي، رغم أن الخبراء يرون أنه سيصبح ذات يوم الحل الوحيد لمنع انهيار مالي، يمكن أن يدمر العالم.

المفارقة أن الصين هي أكبر ممول للديون الأميركية، ومصرفها المركزي وصناديق ثروتها السيادية يحتفظان بأكثر من تريليوني دولار من السندات الأميركية، ناهيك عما تملكه الشركات والمستثمرون الصينيون.

وهي مجبرة على ذلك، لأن الولايات المتحدة تستقبل أكثر من ربع صادراتها، وأي محاولة لتقليص إقبالها على السندات الأميركية يمكن أن تدمر الاقتصاد العالمي.

استحالة تقليص هيمنة واشنطن على النظام المالي العالمي دفعة واحدة، دفعت الصين إلى سلوك الطريق الطويل لتعزيز مكانتها فيه، والحد من هيمة الدولار على المدى البعيد.

وقد أبرمت مئات الاتفاقات التجارية والاستثمارية مع عشرات الدول في جميع أنحاء العالم، محورها التعامل بعملات أطراف الاتفاقات دون المرور بالعملة الأميركية. وامتدت تلك الاتفاقات لمعظم الدول الآسيوية والأفريقية وأميركا اللاتينية والعديد من دول وسط أوروبا وشرقها.

كما شملت الإجراءات قيادة الصين لمجموعة بريكس، التي تضم أيضا الهند وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا، وتمثل 40 بالمئة من سكان العالم وأكثر من 20 بالمئة من الناتج الإجمالي العالمي بالقيمة الاسمية، وربما ضعف ذلك بالقيمة الحقيقة لذلك الناتج.

وتضمن ذلك تأسيس مصرف “بريكس″ الذي يهدف إلى تمويل البنى التحتية، برأسمال أولي رمزي يبلغ 50 مليار دولار، لكنه يمكن أن يكون له دور كبير في تقليص اعتمادها على المؤسسات المالية التي تهيمن عليها الدول الغربية.

آخر وأوسع الإجراءات الصينية التوجه لإنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (أي.آي.آي.بي) الذي سينافس المؤسسات المالية العالمية مثل صندوق النقد والبنك الدولي، وكذلك بنك التنمية الآسيوي، الذي تهيمن عليه اليابان.

وقد واجهت الفكرة في البداية معارضة شديدة من واشنطن، التي شككت بأهدافه ومعاييره وشفافيته، لكن سرعان ما أدركت معظم الدول الكبرى أنه سيكون عنصرا إيجابيا في تأمين النظام المالي العالمي.

وسارعت بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا إلى الانضمام وتبعها الكثير من دول العالم، وبدأت المعارضة تتراجع، لتجبر واشنطن على الترحيب بإنشاء البنك، بل إن صندوق النقد والبنك الدولي أعلنا ترحيبهما، رغم أن البنك ينافس دورهما.

ووصل الأمر إلى أن اليابان، التي سينافس البنك الجديد هيمنتها على بنك التنمية الآسيوي، رضخت أخير وأعلنت أنها مستعدة للمساهمة فيه. وطلبت أكثر من 40 دولة الانضمام إلى بنك أي.آي.آي.بي، ولم يكن بينها الولايات المتحدة واليابان.

وفي موازاة كل ذلك قطعت الصين شوطا طويلا على صعيد الإصلاحات المالية، حتى أن واشنطن أقرت “بالتقدم الحقيقي” الذي أحرزته في مجال تحسين قيمة عملتها (اليوان) الذي بدأ زحفه، وأصبح عملة الاحتياطات العالمية الخامسة بحصة تصل إلى نحو 5 بالمئة، من التعاملات العالمية.

ويبدو من المؤكد أن دور الصين في النظام المالي العالمي سيزداد باستمرار في المستقبل القريب والبعيد، ليجعل النظام المالي العالمي أكثر أمانا ويقلص هيمنة الدولار، الذي لا يزال يمثل نحو 60 بالمئة من الاحتياطات العالمية.

11