الصين تطمح للعب أدوار متقدمة في منطقة الشرق الأوسط

العديد من المؤشرات تظهر رغبة الصين في القطع مع سياسة النأي بالنفس عن القضايا العربية، بدأت بإقرارها خطة مبعوث خاص لمنطقة الشرق الأوسط، ودخولها على خط الوساطة بين إيران والسعودية، وصولا إلى الجولة النادرة التي يعتزم الرئيس الصيني القيام بها إلى المنطقة.
السبت 2016/01/16
صداع مزمن

بكين - يزور الرئيس الصيني شي جين بينغ الأسبوع المقبل كلا من المملكة العربية السعودية ومصر إضافة إلى إيران، في أول زيارة رسمية له منذ توليه الحكم عام 2013.

وهذه من الزيارات النادرة التي يقوم بها رئيس صيني للمنطقة، وتعكس في جوهرها تغيرا في استراتجية بكين إزاء التعامل مع الوضع العربي والدولي.

وجاء في بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، إن الرئيس الصيني شي جين بينغ سيقوم بجولته بين 19 و23 يناير.

وتأتي هذه الزيارة في ظرفية إقليمية حساسة في ظل التوتر القائم بين المملكة العربية السعودية وإيران، خاصة بعد عملية إعدام رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر والرد الإيراني بالاعتداء على السفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد.

وقال دبلوماسي يعمل في بكين “الصين تحاول تقديم نفسها كوسيط بين السعودية وإيران مثلما فعلت مع الحكومة السورية والمعارضة”.

وكانت الصين قد دعت في 11 يناير الماضي كل من الرياض وطهران إلى “التهدئة وضبط النفس”، إثر زيارة مكوكية أجراها نائب وزير الخارجية جانغ مينغ إلى البلدين لنزع فتيل التوتر بين الجانبين الذي يخشى من تداعياته على باقي ملفات المنطقة من سوريا إلى اليمن.

واعتبر محمد نعمان جلال سفير مصر السابق في بكين في تصريحات لـ“العرب” أن زيارة الرئيس الصيني في الوقت الحالي للمنطقة تعكس رغبة الصين في إطفاء الحروب المندلعة في المنطقة، حيث تقود إلى ارتفاع أسعار النفط، وتعيد الاقتصاد العالمي للركود.

وتعزز زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى الدول الثلاث، الرأي القائل إن الصين على وشك التحرر من موقفها الحيادي في ما يتعلق بالقضايا الدولية، في ظل إدراكها بأن الموقع الاقتصادي الذي بلغته (ثاني أقوى اقتصاديات العالم) يؤهلها للعب أدوار متقدمة على الصعيد العالمي، وخاصة بالمنطقة العربية التي هي وقود محركاتها الاقتصادية.

وتعتمد الصين بشكل أساسي على منطقة الشرق الأوسط للحصول على إمداداتها من الطاقة (قرابة 55 بالمائة من النفط).

وقد عملت بكين على تعزيز استثماراتها الاقتصادية في المنطقة بشكل لافت خلال العقود الأخيرة، ولكن يبدو أنها لم تعد راغبة في الاستمرار باتباع سياسة “النعامة” تجاه القضايا الدولية الحارقة وبخاصة في المنطقة.

وهي اليوم تعمل على القطع مع ذلك بشكل تدريجي، تُحركّها جملة من المعطيات والدوافع أولها أن استثماراتها وإمداداتها من الطاقة باتت مهددة في ظل العواصف الذي تشهدها المنطقة، فضلا عن صعود التيارات الإسلامية المتشددة ومخاوفها المتزايدة من تأثيرات ذلك على سكان منطقتها الغربية شينجيانغ الغنية بالغاز، والتي تقطنها غالبية مسلمة.

ولطالما كانت الصين مستفيدة من وجود الولايات المتحدة الأميركية على المستوى الأمني في منطقة الشرق الأوسط، حيث استغلت حالة الاستقرار النسبي هناك لتعزيز استثماراتها الاقتصادية، دون أن ترهق ميزانيتها العسكرية، وحتى في ما يتعلق بـ”الكباش” الإيراني الغربي فإن الصين كانت من الأطراف المستفيدة منه.

نائب رئيس المعاهد الصينية للعلاقات الدولية المعاصرة لي شاو شيان: يجب على الصين أن تزيد من تدخلها في منطقة الشرق الأوسط

وقال محمد نعمان جلال إن العقوبات الغربية على إيران مهدت الطريق أمام بكين لعقد صفقات تجارية مع طهران، ثاني أكبر مستهلك لمنتجاتها، وكانت دائما تنظر بعين الاعتبار إلى احتياجاتها من الطاقة وغيرها من المصالح التجارية والجغراسياسية مع إيران.

وأضاف جلال إن موقف إيران الذي كان يبدو متحديا للغرب، استمد جانبا من قوته من الثقة بأن الصين تحل محل الشركاء التجاريين التقليديين لطهران، بعدما أصبحت الشريك التجاري الرئيسي لها.

ولكن الوضع اليوم مغاير، فالرؤية الأميركية تجاه إيران والمنطقة ككل باتت مختلفة، وهي لا تخفي رغبتها (واشنطن) في تقليص حضورها العسكري المكلف، ويرى محللون صينييون أنه حان الوقت أن تأخذ الصين بزمام المبادرة بنفسها.

وقال لي شاو شيان نائب رئيس المعاهد الصينية للعلاقات الدولية المعاصرة يجب على الصين أن تزيد من تدخلها في الشرق الأوسط، لكنه أكد على أن دور بكين سيكون مختلفا عن باقي القوى الكبرى الأخرى.

وأضاف لي “الشرق الأوسط محك اختبار للقوى الكبرى”، مضيفا “هل سيكون مقبرة.. هذا يعتمد على أن تسعى الدولة للهيمنة”، موضحا أن الصين لا تسعى لذلك.

ويتبنى العديد موقف لي، فالصين ليست بوارد أن تتصادم مع الولايات المتحدة على النفوذ في المنطقة العربية، التي لطالما كانت على مدار العقود الماضية “ملعبا” لواشنطن، ولكن هذا لا يعني أن الصين ستبقى على حيادها إنما ستسعى لتثبيت أقدامها هناك ديبلوماسيا، وحتى عسكريا.

خاصة وأن الدرس الليبي ما يزال ماثلا بقوة في أذهان المسؤولين الصينيين، حين امتنعت بكين على التصويت على قرار مجلس الأمن عام 2011 الذي وفر الغطاء لتدخل حلف شمال الأطلسي للإطاحة بالعقيد معمر القذافي.

وقد خسرت الصين على ضوء ذلك نفوذها الاقتصادي في ليبيا، وهي لا تريد أن تكرر هذا السيناريو مجددا. وقد برز ذلك في الملف السوري، حيث لعبت دورا مثيرا للجدل في مجلس الأمن حينما قامت برفع الفيتو في أكثر من مناسبة لإسقاط مشروع قرار يدين النظام.

وفي الفترة الأخيرة اقترحت لعب دور الوسيط بين النظام والمعارضة وقد استقبلت مبعوثين من الجانبين.

ويرى محللون أن تعزيز الصين لنفوذها في المنطقة العربية لن يكون أمرا سهلا خاصة وأن المنطقة اليوم على حافة بركان، كما أن قواتها العسكرية ليست لديها الخبرة الكافية في خوض تجارب خارج أرضها.

وهذا الأسبوع أعربت الخارجية الصينية عن رغبتها في تطوير علاقات أقوى مع العالم العربي في مجالي الدفاع ومكافحة الإرهاب تشمل تدريبات مشتركة وتبادل المعلومات. وكانت قوات المشاة البحرية الصينية قد بدأت مؤخرا إجراء تدريبات في الصحراء الغربية لشينجيانغ على بعد أكثر من 2000 كيلومتر من أقرب المحيطات.

ويقول محللون إن التدريبات المتواصلة مؤشر على أن أفراد مشاة البحرية الذين تدربوا في الأساس على المهام الهجومية البرمائية سيتم تحويلهم إلى قوة خاصة قادرة على الانتشار خارج الصين.

وأوضح لاشيك بوشينسكي محلل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدفاعية بالجامعة الأسترالية “لقد درسوا ما فعله الأميركيون بعناية بالغة”. وجدير بالذكر أن البرلمان الصيني سن قانون يتيح للجيش للمرة الأولى تنفيذ عمليات في الخارج لمكافحة الإرهاب.

ويهدف قانون مكافحة الإرهاب الذي أقر في أواخر ديسمبر إلى حماية مصالح الصين التجارية والدبلوماسية، لكن محللين يقولون إن القادة العسكريين في الصين يسعون أيضا إلى بناء جيش تحكمه معايير جيش القوة الأكثر نفوذا في العالم.

2