الصين تعول على دور مصر لتعزيز نفوذها بالمنطقة

تشكل مصر نظرا لموقعها الجيوسياسي المهم، محط اهتمام الصين التي تسعى إلى تعزيز نفوذها بالمنطقة العربية والعالم ككل تماشيا مع وضعها الاقتصادي، ومن هنا تأتي زيارة الرئيس شي جين بنغ إلى القاهرة التي تم خلالها إبرام حزمة من الاتفاقيات بين الجانبين شملت عدة مجالات.
الجمعة 2016/01/22
الرهان على المستقبل

القاهرة- عززت الصين تعاونها السياسي والاقتصادي مع مصر، وواصلت توظيف قوتها الناعمة لتحقيق أكبر استفادة استراتيجية ممكنة، ونجحت في الحفاظ على مصالحها باستخدام أدوات مختلفة، وبعثت بجملة من الرسائل لقوى إقليمية ودولية.

ففي الجولة التي بدأها الرئيس الصيني شي جين بنغ للمنطقة، بزيارة السعودية ثم مصر، وأخيرا إيران (اليوم الجمعة) كان الحرص واضحا على عدم التفريط في أي من الدول الثلاث، ومحاولة تجاوز التناقضات بين الرياض والقاهرة من ناحية وطهران من ناحية أخرى، وتطوير العلاقات، بما يتواءم مع مصالح بكين الحيوية.

وكانت زيارة الرئيس الصيني للقاهرة أمس نقلة نوعية، حيث شهد مع نظيره المصري عبدالفتاح السيسي مراسم التوقيع على 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم، تناولت التعاون بين البلدين في العديد من المجالات، مؤكدا أن بكين والقاهرة تعتزمان إقامة 15 مشروعا في مصر قد يصل إجمالي قيمتها إلى 15 مليار دولار.

وقال محمود علام سفير مصر السابق في بكين، إن زيارة الرئيس الصيني حملت جملة من الأهداف، أبرزها تقديم الدعم السياسي للقاهرة بعد أن زادت الاستثمارات الصينية في مصر بشكل كبير، وأصبح من مصلحتها استقرار الأوضاع السياسية في مصر.

وقام الرئيس الصيني بزيارة لمقر مجلس النواب المصري الجديد، ومقر الجامعة العربية بالقاهرة، بما يتجاوز الدور الدبلوماسي، إلى حد الدور الذي تتهيأ بكين للقيام به في المستقبل، حيث تريد الإيحاء بأنها تدعم الأدوات الديمقراطية، ممثلة في انتخاب البرلمان المصري، كما أنها حريصة على علاقاتها مع جميع الدول العربية.

زيارة الرئيس الصيني لكل من الرياض والقاهرة أظهرت اهتماما كبيرا بقضية مكافحة الإرهاب في المنطقة، باعتبارها خطرا جسيما على الأمن والسلام الدولي

وأضاف علام في تصريحات لـ“العرب”، أن نجاح مصر في الحرب التي تخوضها ضد جماعات الإسلام السياسي المتشددة يدفع بكين للاستفادة من الخبرات المصرية في هذا المجال.

يذكر أن زيارة الرئيس الصيني تأتي بعد زيارتين قام بهما الرئيس المصري للصين منذ توليه مقاليد الحكم، فالأولى كانت في ديسمبر عام 2014، والثانية في سبتمبر 2015.

وتم خلال الزيارة الأولى الاتفاق على رفع مستوى العلاقات من التعاون الاستراتيجي إلى الشراكة الاقتصادية الشاملة، ما أدى إلى زيادة حجم الاستثمارات الصينية في مصر خلال العامين الماضيين.

واحتفل الرئيس الصيني أمس بمرور 60 عاما على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فالقاهرة كانت أول عاصمة عربية وأفريقية أقامت علاقات مع بكين في 1956، الأمر الذي فتح الباب أمام العديد من دول العالم الثالث لإقامة علاقات معها.

وأوضح محمود علام أن الزيارة لها بعد ثقافي أيضا بعد أن تم إعلان 2016 عاما للثقافة الصينية في مصر. وهو ما يفسر زيارة الرئيس الصيني لمحافظة الأقصر (جنوب)، لأنها من أهم المدن الأثرية في العالم.

وقال السفير المصري السابق في بكين إن الثقل العام للصين يؤهلها القيام بأدوار أكبر في منطقة الشرق الأوسط، لكنها ترفض الإعلان عن أدوارها السياسية داخل المنطقة، وتقوم بالعديد من الاتصالات بين الأطراف المختلفة في هدوء. واستبعد بعض المراقبين وقوع الصين في الفخ الذي تقع فيه قوى كبرى في الشرق الأوسط، بسبب الانحياز لأحد الأطراف في النزاعات الإقليمية.

محمد فراج أبوالنور: النشاط الصيني يأتي في إطار توجه أكبر للقيام بدور متعاظم في الشؤون الدولية

وقال محمد فراج أبوالنور الخبير في الشؤون الآسيوية إن الصين تعول كثيرا على مصر من أجل توسيع نطاق دورها السياسي في المنطقتين العربية والأفريقية، حيث تشهدان تفاعلات وتطورات سياسية وأمنية بالغة الأهمية قد يؤثر انحرافها عن القواعد السلمية على الاستثمارات الصينية.

وظهر هذا التوجه جليا في دعوة شي جين بنغ للرئيس السيسي لحضور قمة العشرين التي ستقام في بكين سبتمبر المقبل. وأضاف لـ“العرب” أن النشاط الدبلوماسي الصيني في المنطقة يأتي في إطار توجه أكبر للقيام بدور متعاظم في الشؤون الدولية ينسجم مع مستوى تطور بكين الاقتصادي.

وزيارة الرئيس الصيني لكل من الرياض والقاهرة أظهرت اهتماما كبيرا بقضية مكافحة الإرهاب في المنطقة، باعتبارها خطرا جسيما على الأمن والسلام الدولي. وهو ما أعلنه الرئيس الصيني خلال المؤتمر الصحفي مع نظيره المصري، لهذا السبب أعلنت دعمها لجهود مكافحة الإرهاب في المنطقة، في العراق وسوريا وليبيا ومصر.

وواجهت بكين في السنوات الأخيرة بحسم جماعات إرهابية في منطقة (شينجيانغ) الشهيرة بتركستان الشرقية، حيث تمكنت عناصر من القاعدة والتنظيمات المتشددة المرتبطة بها في أفغانستان وآسيا الوسطى من التغلغل في صفوف قومية (الأويغور) المسلمة والتي يبلغ عددها حوالي 20 مليون نسمة.

ونوه أبوالنور إلى أن الدور الاستراتيجي المتصاعد للصين يمتد إلى إعادة بناء طريق الحرير البري والبحري، والذي تساهم مصر بدور مهم فيه، بحكم موقعها الاستراتيجي في الطريق إلى أوروبا، ووجود قناة السويس كممر دولي بحري يربط آسيا وأفريقيا بأوروبا.

ولا تزال هناك رهانات على أن الدور الصيني في حل الأزمات سوف يشهد توجها تدريجيا متزايدا في مجال التفاعلات الإقليمية والدولية، ظهرت ملامحه خلال المشاركة في المباحثات التي جرت بين القوى الكبرى وإيران حول البرنامج النووي لطهران، والمشاركة كقوة كبرى في مباحثات فيينا من أجل التسوية السياسية للأزمة السورية.

2