الصين تكسر طوق الاستثمارات الأوروبية في أميركا اللاتينية

بينما يضطر الاتحاد الأوروبي لمواجهة أزمته الداخلية الخطيرة، فإن أميركا اللاتينية التي تعد من ضمن الحلفاء التاريخيين للقارة العجوز، بدأت في تعزيز الروابط مع شركاء جدد من أجل الحصول على التكنولوجيا الروسية وأموال الاستثمارات الصينية، ومعه انطلقت التساؤلات حول مصير أوروبا بالنظر إلى تغير المحور الجيواستراتيجي للعالم الجديد.
الثلاثاء 2016/01/19
كل شيء صيني

لاباز – يعزو المراقبون تحرك الصين نحو أسواق أميركا اللاتينية إلى الرغبة في توسيع مجال استثماراتها بعد نجاحها في الدخول بقوة للأسواق الأفريقية والآسيوية، لتنافس بذلك القوى الغربية الكبرى وخاصة الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

وجراء الدبلوماسية الاقتصادية الصينية تجد أوروبا، التي تواجه واحدة من أسوأ أزماتها منذ الحرب العالمية الثانية بسبب تدفق اللاجئين، نفسها تفقد تأثيرها في العالم الجديد شيئا فشيئا، بحسب المختصين في الشأن الاقتصادي.

ويؤكد هؤلاء أن كثرة الصينيين الذين يسافرون للمنطقة ويظهرون في مطارات دول القارة اللاتينية وهم يرتدون ملابس تظهر أنهم من أجل غرض واحد وهو التجارة والأعمال، تعد دليلا على الانتشار المتزايد للعملاق الآسيوي هناك.

ويقول يانغ زهيمين، الباحث في المعهد اللاتيني التابع لأكاديمية العلوم الاجتماعية الصينية في حوار لمجلة “نويفا سوسييداد” إن الصين أعلنت عن استثمارات بقيمة 250 مليار دولار في القارة حتى عام 2023، حيث يوجد تنسيق بين مسؤولي الحكومة والشركات الصينية، التي بمرور الوقت تثبت أقدامها بصورة أكبر.

وعلى الرغم من أن الرئيس البوليفي إيفو موراليس قد كلف شركة “كيه يوتيك” الألمانية بالتخطيط لعمليات استخراج الليثيوم في منطقة أويوني لبحيرات الملح، إلا أنه على ما يبدو ربما تنتهي الأمور بين أيدي شركات صينية.

خبراء: الصين تخطت أوروبا كشريك تجاري في أميركا اللاتينية وباتت السوق الرئيسي لدول القارة

ويستخدم الليثيوم في بطاريات السيارات الكهربائية التي يتزايد إنتاجها يوما تلو الآخر ومعه كربونات الليثيوم التي وصل سعر الطن منها مؤخرا إلى ستة آلاف دولار.

ووعد الصينيون نظراءهم البوليفيين بقروض بقيمة سبعة مليارات دولار لتوسيع شبكة الطرقات والقطارات، غير أن الرئيس شي جين بينغ أبدى استعداده لتقديم 10 مليارات دولار إضافية.

وكان موراليس قد اتفق في غضون ذلك مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إنشاء مركز أبحاث نووي باستخدام التكنولوجيا الروسية بالقرب من العاصمة لاباز، في حين أن فنزويلا تسعى إلى شراء 12 مقاتلة حربية روسية من طراز “سوخوي 30” المتطورة.

ولم تحصل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في زيارتها خلال أغسطس الماضي إلى البرازيل سوى على وعود بمشاركة ألمانية في مشروع استثماري بقيمة 57 مليار يورو لتوسيع البنية التحتية لقطاعات السكك الحديدية والملاحة البحرية والجوية بالبلاد.

وبخلاف هذا، فإن أوروبا تتفاوض مع تكتل سوق دول الجنوب “ميركوسور” منذ سنوات من أجل إبرام اتفاقية تجارة حرة، ولكن دون حدوث تقدم، حيث أن العنصر الرئيسي الرافض هو فنزويلا، التي تحصل على تمويل وقروض قادمة من الصين، حيث تعد من بين أهم الدول الشريكة لبكين.

يأتي كل ذلك بجانب ظهور اتجاه لفقد الاهتمام بأميركا اللاتينية من قبل أوروبا، على الرغم من أن كل الأقاليم والمناطق الكبرى في هذا الجزء من العالم بها نزاعات أقل من غيرها، وأنه بعد كل أزمة هناك من المعتاد أن تحدث انفراجة ملحوظة من الناحية الاقتصادية.

17 مليار دولار قيمة الاستثمارات الصينية في بوليفيا فقط

ووسط هذا “الغزو” الصيني، تقف الولايات المتحدة لتشاهد “حديقتها الخلفية” وهي تفضل عليها إتمام اتفاقات مع الروس والصينيين، حيث تخشى من تشكيل تكتل جديد ضدها، وذلك بعد عقد أول قمة بين الصين ومنظمة “سيلاك” التي تضم 33 دولة من أميركا اللاتينية مطلع هذا العام.

وبدأ الصينيون في إنشاء دوائر التأثير الخاصة بهم. ويقول الباحثان نيلي نوسيليت وديتليف نولته “مصالح الصين في أميركا اللاتينية اقتصادية قبل أي شيء”، إذ يتعلق الأمر بالثروات الطبيعية وتوسيع سوق الصادرات وإيجاد فرص جديدة لاستثمار رأس المال الصيني.

ويعد أهم شيء بالنسبة للصين في الوقت الحالي هو تقصير الطرق التجارية، لذا فإنها تخطط لمشروع قناة تمر بنيكاراغوا من المحيط الأطلسي للهادئ بتكلفة 50 مليار دولار، هذا بجانب خط سكك حديدية بطول 5 آلاف كلم من البرازيل وحتى بيرو.

ويكاد يجزم الخبيران على أن الصين تتخطى أوروبا كشريك تجاري في أميركا اللاتينية، فبالنسبة للأرجنتين والبرازيل وتشيلي وكولومبيا وكوبا وبيرو وفنزويلا فإن بكين أصبحت السوق الرئيسي لصادراتهم.

يذكر أن الصين انتهجت استراتيجية اقتصادية، مكنتها من تعزيز تواجدها في معظم الأسواق العالمية، فمشروع البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، لا يخرج عن سياق الاندفاع الصيني نحو كسر طوق الهيمنة الأميركية والأوروبية المالية والاقتصادية.

10