الصين تواجه خسارة سباق التسلّح مع الولايات المتحدة

محاولة الصين مجاراة القوة العسكرية الأميركية تتطلب زيادة نفقات الدفاع لديها.
الاثنين 2021/09/27
قوة عسكرية لا تكفي لمنافسة واشنطن

بكين - قبل نحو ثلاثة عقود، تردد أن زعماء الصين أصدروا تكليفات بإعداد دراسات معمّقة عن أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي كان دخوله في سباق تسلح مع الولايات المتحدة أحد أكبر الأخطاء التي ارتكبها لينتهي به المطاف إلى الإفلاس الاقتصادي.

لكنّ الكثير من المحللين يقولون إن الصين تكرر الآن الأخطاء نفسها التي ستقودها إلى مصير مشابه للاتحاد السوفييتي في سباق التسلّح الذي تخوضه في مواجهة الولايات المتحدة.

ويقول الخبير السياسي الأميركي من أصل صيني مينكسين بي، في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ، إنه في الوقت الذي تركز فيه الولايات المتحدة قدراتها العسكرية على شرق آسيا، تواجه الصين معضلة استراتيجية تماثل تلك التي واجهها السوفييت.

وسوف تتطلب محاولة الصين مجاراة القوة العسكرية الأميركية، زيادة نفقات الدفاع لديها على نحو جذري، وهو نفس الفخ الذي سقط فيه السوفييت. ورغم ذلك، من الممكن أن يؤدي إخفاق الصين في مواجهة التعزيزات العسكرية الأميركية، إلى أن تصبح أكثر تعرضا لانعدام الأمن وللخطر.

مينكسين بي: على الصين التركيز على الدبلوماسية لتعزيز أمنها عوض التسلّح

ويرى بي الخبير في شؤون الحوكمة بالصين، وفي العلاقات بين الولايات المتحدة وآسيا، والديمقراطية في الدول النامية، أن قرار واشنطن بيع غواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية لأستراليا، سلط ضوءا صارخا على مأزق الصين. وباتخاذ هذه الخطوة الاستراتيجية المثيرة، تعلن الولايات المتحدة تحدي الصين في سباق تسلح جديد، ذي تكلفة فلكية. ويصل سعر الغواصة الأميركية الواحدة طراز “فيرجينيا” إلى 3.45 مليار دولار.

وتجد الصين نفسها الآن في موقف استراتيجي لا تحسد عليه، وعليها مجابهة القدرات العسكرية المشتركة للولايات المتحدة وحلفائها في المحيط الهادئ في نفس الوقت.

ويرى بي أستاذ علم الحوكمة بكلية كليرمونت ماكينا في كاليفورنيا إنه إذا أرادت الصين أن تصل فقط إلى شبه تكافؤ مع الجيش الأميركي، فإن الأمر صعب، ولكنه ليس مستحيلا تماما، فالاقتصاد السوفييتي في ذروته، لم يصل إلى نصف قيمة الاقتصاد الأميركي.

ويصل إجمالي الناتج المحلي للصين حاليا إلى حوالي 70 في المئة من نظيره الأميركي، محسوبا بالدولار، ومن المنتظر أن يتجاوزه خلال 15 عاما.

وفي المستقبل المنظور، من المتصور أن تتمكن الصين من مضاهاة الإنفاق العسكري الأميركي. لكن المسألة تختلف تماما إذا ما تمت إضافة اقتصادات “تحالف كواد” (الرباعي) -الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا- إلى المعادلة، حيث يبرز هذا التجمع على نحو سريع كتحالف تم تشكيله خصيصا لاحتواء الصين.

وبحسب بيانات البنك الدولي، بلغ إجمالي الناتج المحلي للدول الأربع حوالي 30 تريليون في عام 2020، أي ضعف إجمالي الناتج المحلي للصين.

وفي ظل حفاظ دول التحالف على إنفاق 3 في المئة من هذا الإجمالي، من شأن ذلك أن يوفر حوالي 900 مليار دولار للجيوش الأربعة. وبذلك، سيتعين على الصين التي وصل إجمالي إنفاقها العسكري إلى 250 ميار دولار في 2020، مضاعفة ميزانيتها العسكرية بواقع أربعة أمثال.

وإذا ما تضمن الأمر الميزة التكنولوجية لواشنطن، وأيضا المخزون الضخم من السلاح بعد عقود من إنفاق عسكري هائل، سوف يكون الأمر غير واقعي تماما بالنسبة للصين أن تعتقد أنها تستطيع أن تفوز بسباق التسلح القادم استنادا إلى قوة اقتصادها وقدراتها التكنولوجية.

وهنا، يقول بي إنه من المناسب اتباع نصيحة الخبير العسكري والفيلسوف الصيني الشهير سون تزو، صاحب كتاب “فن الحرب”، ومفادها “تجنب مواجهة نقاط القوة لدى خصمك”.

ويرى بي أن على الصين بدلا من الانجرار إلى سباق تسلح لا يمكنها الفوز به، أن تركز على الدبلوماسية لتعزيز أمنها.

كما أن الهدف الأساسي لنجاح الولايات المتحدة في حشد اليابان والهند وأستراليا في إطار “التحالف الرباعي” هو خوف هذه الدول من القدرات العسكرية المتنامية للصين. ولدى اليابان والهند حافز خاص للتحالف مع الولايات المتحدة، في ظل النزاعات الإقليمية والبحرية لكل منهما مع الصين.

قوة كبيرة تجوب البحار يصعب مضاهاتها
قوة كبيرة تجوب البحار يصعب مضاهاتها

ومن الأفضل للمصالح الصينية أن تقوم بكين بجهد جدي لتسوية النزاعات ونزع فتيل التوترات مع جيرانها. وفي هذا الشأن، سيمثل توقف الصين عن اقتحام المياه الإقليمية لجزر سينكاكو (باليابانية)- دياويو (بالصينية)- المتنازع عليها بين الدولتين، وسحب القوات الصينية من المناطق الحدودية المتنازع عليها مع الهند، بادرة حسن نية.

ويقول بي إنه في ظل حالة انعدام الثقة والعداء التي تتصاعد لمستويات خطيرة، من المهم بنفس القدر للصين أن تبدأ الانخراط مع الولايات المتحدة مجددا. وعلى الرئيس الصيني شين جين بينج أن يتخلى عن رفضه الواضح مقابلة نظيره الأميركي جو بايدن، حيث يمكن فقط للانخراط الدبلوماسي على أعلى مستوى، أن يبطئ من الدائرة المفرغة التي تصعد من عسكرة المنافسة بين الصين والولايات المتحدة.

ويتعين على الصين أن تتحلى بالحكمة وأن تتعلم درسين إضافيين من المسألة السوفييتية: الأول، أن الزعماء السوفييت دأبوا على الاستثمار في سباق تسلح خاسر بسبب شعورهم بالقلق من أن الولايات المتحدة ستضرب أولا.

وبالنظر إلى الماضي، لم يكن لهذه المخاوف أساس على الإطلاق، بل كانت مدمرة من الناحية الاقتصادية. وكذلك الحال اليوم، لا يمكن لأحد أن يتصور أن تبدأ الولايات المتحدة بشن هجوم استباقي على الصين، المسلحة نوويا.

أما الدرس الثاني، فهو أن الاتحاد السوفييتي تمكن من إبعاد الحرب الباردة عن إمكانية أن تتحول إلى حرب حقيقية، عبر العمل مع الولايات المتحدة للتوصل إلى بروتكولات وقواعد لتجنب الدخول في أي صراع عرضي. ومن الذكاء أن تقوم بكين بتنفيذ البروتوكولات الحالية بينها وبين واشنطن، بالمزيد من القوة، إلى جانب اقتراح بروتوكولات جديدة.

ورغم أن العديد من سياسات الرئيس الصيني اتجهت صوب تحاشي أخطاء نظرائه السوفييت، لكن إذا لم تقدم الصين على تغيير مسارها قريبا، يخاطر الرئيس بتكرار الخطأ الأكبر الذي ارتكبوه.

Thumbnail
6