الصين على حبل رفيع: دفاع عن إيران وتمسك بالشراكة مع السعودية

بكين من لاعب صامت خلال المفاوضات إلى مدافع شرس عن الاتفاق النووي، والصينيون يملكون خبرة في الالتفاف على العقوبات.
الثلاثاء 2018/05/15
صفقة مكلفة

واشنطن - تعهدت الصين والاتحاد الأوروبي بالعمل على الإبقاء على الاتفاق النووي مع إيران رغم انسحاب الولايات المتحدة منه، في خطوة يصعب أن تضع الأوروبيين في مواجهة مع الأميركيين، لكنها قد تضع الصين في مسار تصادمي مع الولايات المتحدة، وتؤثر على علاقتها الاستراتيجية في دول الشرق الأوسط المتضررة من سياسة إيران.

ولعل هذه القراءة هي التي جعلت بكين المحطة الأولى لوزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، قبل موسكو والعواصم الأوروبية، لمناقشة تداعيات الوضع بعد إعلان الولايات المتحدة عن انسحابها من مذكرة العمل المشترك. وأكد وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، خلال التقائه بنظيره الإيرانية أن بلاده ستواصل التعاون مع إيران والعمل من أجل الحفاظ على الاتفاق النووي المبرم عام 2015، كما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غنغ شوانغ ردا على إعلان ترامب أن جمهورية الصين الشعبية ملتزمة بالاتفاق “وستبقي على التواصل مع كل الأطراف وستستمر في حماية وتنفيذ الاتفاق بالكامل”.

يشير خبراء إلى أن الأسباب الاقتصادية تدفع الصين -وهي مِن بين أكبر الشركاء التجاريين لإيران- إلى التمسك بهذا الاتفاق، شأنها شأن الأوروبيين. ويضيف الخبراء أن المعركة الآن مصيرية بالنسبة للصين التي يتنامى دورها في الدبلوماسية العالمية بشكل متزايد، ولربما منحها قرار ترامب سحب الولايات المتحدة من الصفقة النووية الإيرانية  فرصة أكبر.

أليكس فاتانكا: الصين تلعب لعبة ذكية وهادئة لدعم تواجدها في الشرق الأوسط
أليكس فاتانكا: الصين تلعب لعبة ذكية وهادئة لدعم تواجدها في الشرق الأوسط

ويشير جيمس دورسي، الباحث المتخصص في السياسات الدولية، إلى أن الصين لديها خبرة في الالتفاف على العقوبات وستكون مفيدة بالتزامن مع رفض بكين جهود ترامب المتجددة لعزل إيران وإجبارها على تقديم المزيد من التنازلات بخصوص برامجها النووية والبالستية إضافة إلى دورها في الشرق الأوسط عن طريق التخلي عن اتفاق 2015 وإعادة الإجراءات الاقتصادية العقابية.

ويوضح دورسي رؤيته من خلال استحضار مثال رجل الأعمال الصيني شانغ كوان لي، مشيرا إلى أنه لم يقلق من العقوبات الأميركية عندما قرر في سنة 2010 استثمار 200 مليون دولار في مصنع للصلب في إيران. وبدأ هذا المصنع في إنتاج السبائك والقضبان بعد أشهر قليلة من رفع الإجراءات العقابية المفروضة على إيران وذلك في إطار الاتفاق النووي.

ولأنه لا يملك أيّ معاملات في الولايات المتحدة، لم ينشغل شانغ كوان لي باستهدافه من قِبل الخزانة الأميركية، فضلا عن ذلك التف حول القيود المالية المفروضة على إيران عن طريق تمويل مشروعه عبر ما سماه “تحويلا خاصا”، وهو مبادلة مالية تعتمد على الثقة وتتفادى القنوات البنكية العادية.

ومن خلال ذلك، كان رجل الأعمال الصيني يتبع الممارسة الصينية القياسية المتمثلة في تفادي نظام العقوبات عن طريق استعمال مسالك بديلة أو إقامة مؤسسات بديلة كانت في الواقع حصينة. ولتكون قادرة على شراء النفط الإيراني زمن تطبيق العقوبات أسست الصين مثلا بنك كونلون للقيام بعمليات الدفع.

واستعداد الصين المرجح للالتفاف حول العقوبات الأميركية هو أحد العوامل التي ستؤثر على قرار إيران حول مدى تشبثها بالاتفاق.

ويمكن للخبرة الصينية في الالتفاف على العقوبات أن تكون مفيدة بما أن أوروبا التي رفضت قرار ترامب مثلما فعلت الصين وتعهدت بتجاهل العقوبات تحاول إيجاد أحسن السبل لربط القول بالعمل عن طريق محاولة حماية الشركات الأوروبية من الإجراء العقابي الأميركي المحتمل. وأحد الاحتمالات قد يكون استعمال الشبكات المالية الصينية البديلة.

إن الرهانات المطروحة في المعركة لإنقاذ الاتفاق النووي إثر قرار ترامب تتجاوز كثيرا الاعتقاد في أن هذا الاتفاق يخدم الغاية التي أبرم من أجلها وهي عرقلة الطموحات النووية الإيرانية المحتملة والفرص الاقتصادية. ويرى جيمس دورسي أن قيام الصين بمجهود بمعية روسيا وأوروبا للحفاظ على الاتفاق النووي وإفشال العقوبات الأميركية سيسدد أكبر الضربات للمصداقية الأميركية. وهذا ما يذهب إليه تقرير نشرته مجلة بيزنس إنسايدر، حيث أشارت كاتبته رزي بيبر إلى أن الصين تستعد لملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة بعد الانسحاب من الصفقة الإيرانية.

ونقلت المجلة عن أليكس فاتانكا -زميل في معهد الشرق الأوسط- قوله إن الصين تلعب “لعبة ذكية وهادئة بفضل جهود دبلوماسيتها في الشرق الأوسط، وقد تكون قادرة الآن على الاضطلاع بدور رائد في المنطقة”.

جيمس دورسي: مصالح الصين يمكن أن تتضرر إذا أجبرت على الانحياز إلى طرف معين
جيمس دورسي: مصالح الصين يمكن أن تتضرر إذا أجبرت على الانحياز إلى طرف معين

وأضاف فاتانكا “الصينيون لم يرغبوا في ترك بصمة كبيرة في الصفقة من الناحية الدبلوماسية، وبدلا من ذلك فضلوا التركيز أكثر على التجارة، وهو الأمر الذي منحهم على المدى الطويل المزيد من النفوذ والتأثير”.

ونجحت مبادرة “الحزام والطريق” التي اتخذتها الصين في توسيع الفرص التجارية بشكل كبير بينها وبين إيران، وضخّت الصين كنتيجة لذلك المليارات من الدولارات في الاقتصاد الإيراني.

وبوجود هذه العلاقة التجارية من المرجح أن تكون الصين الخيار الطبيعي لقيادة المفاوضات المستقبلية مع إيران، مما يزيد من النفوذ الدبلوماسي لبكين في منطقة الشرق الأوسط. مع ذلك، يرى جيمس دورسي أن رفض العقوبات الأميركية واختراقها قد يكونان، هذه المرة، مجازفة خطرة بالنسبة إلى الصين وكذلك الممضين الآخرين على الاتفاق (روسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا). ففي المرة الماضية كانت الصين وبقية الدول الممضية جزءا من إجماع دولي كان يهدف إلى إجبار إيران على قبول قيود مفروضة على برنامج إيران النووي، لكن اليوم انقسم هذا التكتل.

لا ينفصل الموقف من الاتفاق النووي عما يجري في الشرق الأوسط بشكل أعمّ، حيث هناك إدانة كبرى، بقيادة المملكة العربية السعودية، لتدخلات إيران في المنطقة وسياستها المهددة لاستقرارها.

وهنا، يرى دورسي أنه يمكن للجهود الصينية الحثيثة من أجل البقاء بعيدة عن مختلف صراعات الشرق الأوسط أن تتضرر بشكل شديد إذا أجبرت على الانحياز إلى طرف معين في نزاع بين إيران -وهي بلد تشعر الصين بأن لديها معه أشياء كثيرة مشتركة وبأنها ساعدته في الماضي على تطوير برامجه البالستية والنووية- والسعودية، وهي بلد صديق له أهميته الاقتصادية بالنسبة إلى الصين التي سعت في الفترة الأخيرة إلى تطوير علاقتها به.

6