الصين وأفريقيا: من هيمنة إلى أخرى

إذا لم تكن الصين دولة استعمارية إلا أنها دولة شمولية، تعتبر أن الإمبريالية الجديدة اقتصادية لا سياسية كما كان عليه الأمر في الماضي الاستعماري الأوروبي.
الأربعاء 2018/09/12
الصين عملت على التغلغل الناعم في البلدان الأفريقية

هل جاء دور الإمبريالية الصينية في أفريقيا؟ هذا هو السؤال الذي يدور على ألسنة الزعماء الأفارقة والخبراء في القارة، بعد القمة الصينية الأفريقية التي عقدت في بكين الأسبوع الماضي. فالكثيرون يرون أن الصين، التي اشتغلت بعيدا عن الضوء في السنوات الماضية داخل القارة الأفريقية موظفة سلطتها الناعمة، بدأت اليوم في جني النتائج السياسية والاقتصادية.

وقد فهم الحزب الشيوعي الصيني منذ البداية أن الاقتصاد هو التعبير المكثف عن السياسة بحسب تعبير الزعيم السوفييتي الأول لينين، فعملت الصين على التغلغل الناعم في البلدان الأفريقية عبر ضخ الأموال والاستثمار والتمدد في مختلف المرافق الاقتصادية في القارة وعرض خدماتها الاقتصادية، بعيدا عن أي خطاب سياسي يمكن أن يفهم منه أن بكين تسعى إلى أن تكون بديلا عن أي طرف آخر، كفرنسا على سبيل المثال، التي كانت اللاعب الرئيسي في القارة منذ عقود، أو الولايات المتحدة التي تتطلع منذ حوالي عقد لإيجاد موطئ قدم لها في مواجهة الأوروبيين، بعدما بات واضحا أن أفريقيا مرشحة لتكون قوة واعدة في المستقبل القريب. ووفق مقولة لينين أعلاه، سارت المنهجية الصينية بطريقة هادئة محضرة نفسها للعب أدوار تتجاوز الاقتصاد في مرحلة لاحقة، بعد أن تضمن تجذر نفوذها المالي والاقتصادي.

مفاجأة الصين في قمة بكين للأفارقة كانت غير متوقعة، فقد أعلنت عن تخصيص 60 مليار دولار للنمو الاقتصادي في القارة، وشطب ديون الدول المتضررة اقتصاديا، من دون شروط سياسية في المقابل، على الأقل علنيا. وقد أرادت بذلك توجيه رسالة إلى الأفارقة مضمونها أن النموذج الذي تقترحه الصين للتعاون يختلف عما تقترحه العواصم الأوروبية أو الولايات المتحدة، التي تبحث بالأساس عن خدمة مصالحها على حساب الشعوب الأفريقية، وتتصرف كقوى استعمارية لنهب خيراتها. وعقب القمة نشر السفير الصيني في واشنطن مقالا في صحيفة “يو.أس. توداي” الأميركية مقالا يقول فيه إن النجاح الاقتصادي الذي حققته الصين لم يكن عن طريق السرقة أو نهب أحد ولن يكون، في اتهام غير مباشر للإدارة الأميركية بنهب الشعوب الأفريقية وفي محاولة لتسويق النموذج الصيني الذي تعتبره بكين مغايرا للنموذجين الأوروبي والأميركي.

الصين لم تعمل على تطوير البلدان الأفريقية وتأهيلها لدخول عصر التصنيع أو الإنتاج، بقدر ما تعمل على الرفع من قيمة الاستثمارات التي تعود أرباحها إلى الشركات الصينية الكبرى

ويجد العديد من البلدان الأفريقية في هذه الشراكة الجديدة مع الصين فرصة للخروج من الشرنقة التي وضعتها فيها السياسات الأوروبية عبر التقارب مع لاعب دولي كبير لديه مميزات مختلفة عن أوروبا. فالصين أولا بلد بعيد عن أفريقيا وليست لديه حدود معها كما هو الشأن بالنسبة لأوروبا، الأمر الذي يقلل من كلفة التقارب ويخفف العبء عن كاهل الأفارقة، وهي ثانيا لاعب منافس للولايات المتحدة وللأوروبيين، ومن هذا المدخل يمكن للأفارقة أن يستفيدوا كثيرا من هذه المواجهة، ثم إن الصين أخيرا ليست دولة استعمارية سابقة.

بيد أن الصورة مختلفة عما يتم الترويج له من الجانب الصيني. فإذا لم تكن الصين دولة استعمارية إلا أنها دولة شمولية، تعتبر أن الإمبريالية الجديدة اقتصادية لا سياسية كما كان عليه الأمر في الماضي الاستعماري الأوروبي. وهي اختارت المراهنة على القارة الأفريقية لأنها تعتبرها الضلع الأضعف في مناكفة القوة الأميركية والأوروبية، يمكنها من خلالها تحقيق مكاسب على الصعيدين الاقتصادي والسياسي بأقل تكلفة. وإذا كان مشروع طريق الحرير قد لقي انتقادات وتمت مواجهته في آسيا، فإن التواجد في أفريقيا لن يثير الكثير من ردود الفعل، خصوصا في ظل السياسات الأوروبية التي تكثف من القمم مع بلدان القارة من دون نتائج فعلية على الأرض، وتمطر الزعماء الأفارقة بالوعود بتقديم المساعدات المالية لمواجهة الفقر والإرهاب والهجرة دون أن تفي بها.

لكن الانتقادات للوجود الصيني، حتى داخل أفريقيا نفسها، لا تخلو من الصواب. ذلك أن الصين لم تعمل على تطوير البلدان الأفريقية وتأهيلها لدخول عصر التصنيع أو الإنتاج، بقدر ما تعمل على الرفع من قيمة الاستثمارات التي تعود أرباحها إلى الشركات الصينية الكبرى، إذ هي تتعامل مع البلدان الأفريقية كسوق ضخمة فقط. وخلف المساعدات المالية وشطب الديون على بعض البلدان الأفريقية، توجد سياسة مدروسة لربط عدد من البلدان المحورية في القارة بالاقتصاد الصيني في إطار نوع من الهيمنة على المديين المتوسط والبعيد.

9