الصين والهند والولايات المتحدة ومعركة فرض النفوذ على المحيط الآسيوي

الثلاثاء 2014/05/27
مودي يزور ضريح غاندي قبيل تنصيبه رئيسا لحكومة الهند

لندن- في ظل صراع النفوذ المستشري بين القوى الكبرى عالميا، تطل الهند كقوة إقليمية ناشئة تستعد لتكون لاعبا عالميا أساسيا، في ظل المتغيرات على الساحة الدولية وتآكل نفوذ الولايات المتحدة كقوة مهيمنة سابقا.

على الرغم من الإمكانات المحدودة للهند، استطاع هذا البلد الآسيوي أن يبرز كقوة عسكرية عالمية وأن ينتقل إلى مصاف الدول المتقدّمة تكنولوجيّا، رغم أنه يصنف ضمن البلدان النامية والفقيرة.

بدأت الهند، في السنوات الأخيرة، تشقّ طريقها، كلاعب مؤثّر على الساحة الدولية، إلى جانب القوى الصاعدة الجديدة وخصوصا أعضاء مجموعة "بريكس" التي تضمّ مع الهند، البرازيل والصين وجنوب أفريقيا، بالإضافة إلى القوة التقليدية، روسيا.

وتمثل مجموعة "بريكس" أكبر اقتصادات خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي نادي الأغنياء بالنسبة إلى الاقتصادات الناشئة. وينظر الهنود إلى المجموعة كتكتّل اقتصادي ودبلوماسي عابر للقارات يخدم بشكل كبير طموح الهند، صاحبة ثالث أكبر اقتصادات آسيا، الذي يتجاوز الأرض ليناطح الفضاء.

تحدّث تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية لسنة 2013، عن نهضة قادمة من الجنوب، في إشارة إلى بعض البلدان النامية. وحسب توقّعات التقرير سيتجاوز بحلول عام 2020 مجموع الإنتاج لثلاث دول نامية كبيرة هي: الهند والبرازيل والصين، مجموع إنتاج ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وكندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، والمصدر الرئيسي لهذا النمو هو الشراكات الجديدة في التجارة والتكنولوجيا القائمة بين بلدان الجنوب.

هذه التوقّعات تفسّر الضجّة الدولية التي صاحبت فوز نيريندرا مودي، زعيم حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي القومي في انتخابات رئاسة وزراء الهند، وهو المنصب الذي يخوض من أجله كبار الساسة في البلاد معركة ضارية.

وقد أدّى أمس نيريندرا مودي اليمين الدستورية بوصفه رئيسا لوزراء الهند في مراسم أكّد من خلالها عزمه على أن يكون لاعبا مهما على الساحة العالمية، حيث للمرة الأولى في تاريخ الهند يحضر عدد كبير من زعماء جنوب آسيا مراسم التنصيب في القصر الرئاسي بنيودلهي وبينهم رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف.

ويجسد مودي (63 عاما) نجل بائع شاي الذي سيصبح رئيس الوزراء الخامس عشر للهند وأول رئيس حكومة مولود بعد استقلالها في 1947، الجناح المتشدد في حزب الشعب الهندي (بهاراتيا جاناتا) ويثير عدم ثقة حتى لدى البعض من أعضاء الحزب.

الهند تحاول إيجاد آليات جديدة لسياستها الخارجية والأمنية بما يتلاءم وحسابات المرحلة الجديدة

وحقق حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي الذي ينتمي إليه مودي وحلفاؤه فوزا ساحقا في الانتخابات الهندية هذا الشهر وأطاحوا بحكم أسرة نهرو غاندي في تغيير سياسي جذري منح حزبه تفويضا لإجراء إصلاح اقتصادي شامل.

وكان هذا الحزب محل انتقاد ومقاطعة أميركية وغربية لاتهامه بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان بعد أعمال شغب دامية جرت في ولايته غوجارات عام 2002 وقتل فيها أكثر من ألف شخص معظمهم من المسلمين. وعلى خلفية هذه الاتهامات منعت الولايات المتحدة الأميركية مودي من دخول أراضيها سنة 2005.

وقد شبّه المحلل السياسي، دوغ ساوندرز، من صحيفة “جلوب أند ميل” الكندية مودي بأنه النسخة الهندية من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان متهما حزبيهما العدالة والتنمية وبهاراتيا جاناتا بالتطرف الديني.

من جانبه قال الكاتب الإسرائيلي يؤاف شاحام إن “انتخاب نيريندرا مودي لرئاسة حكومة الهند يبعث آمال إسرائيل في التعاون مع أكبر ديمقراطية في العالم، من حيث عدد السكّان، خاصة بعد انتهاء حكم "حزب الكونغرس" الذي حكم تقريبا بشكل متعاقب منذ نهاية الاستعمار البريطاني”.


التوسع العسكري


شهد عام 1998 تدشين القوة النووية الهندية، بالإعلان عن تفجيراتها النووية، والتي كان لها مردود سلبي محدود النطاق على الاقتصاد الهندي. بما جلبته من عقوبات واجهتها الهند في أغلب دول العالم الصناعية.

وبمرور الوقت، اضطر المجتمع الدولي إلى أن يرضخ لفكرة عدم تخلي الهند عن برنامجها النووي، كما شهد عام 1998 طفرة استثمارية في المجالات العسكرية، حيث قفزت ميزانية الدفاع من 13 بالمئة إلى 25 بالمئة سنويا، وحرصت المؤسسة العسكرية على حيازة المعدات التكنولوجية الحديثة، بهدف بناء قاعدة تحديث عريضة، ودعم المهارات التخطيطية. وهكذا أصبحت القوة العسكرية للهند ترشحها لممارسة دور محوري أكبر في الشؤون الآسيوية والعالمية.

ويقول مراقبون إن الهند ركزت اتجاهها في العشر سنوات الأخيرة نحو العسكرة، حيث شهدت الميزانية العسكرية الهندية بين عامي 2009 و2010 أعلى ارتفاع سنوي في تاريخها من 23.7 مليار دولار إلى 29 مليار دولار، في ظل تسابق القوى الآسيوية وعلى رأسها التنين الصيني للتسلح والعسكرة، وهو ما استغلته الولايات المتحدة سياسيا للتقرب من القوة الناشئة في الهند.


الآثار الجيوسياسية للتغيرات


بينما كانت التحولات الاقتصادية والسياسية تأخذ مجراها، كانت الهند تحاول إيجاد آليات جديدة لسياستها الخارجية والأمنية بما يتلاءم وحسابات المرحلة ما بعد الحرب الباردة، التي كانت ترتكز تقليديا على مبادئ عدم الانحياز، والتحالف الوثيق مع الاتحاد السوفيتي السابق. أما اليوم فقد أضحت الولايات المتحدة الأميركية أهم حلفاء الهند خارج محيطها الإقليمي، وفرضت عليها مصالحها الاقتصادية إعادة توصيف أهدافها الأمنية والخارجية. ويستند وضعها الأمني ومكانتها إلى حيازتها لأسلحة الردع النووية.


الصين عدو مشترك

سعد محيو: دور الهند سيتضح حين يأخذ النظام العالمي شكلا محددا دوليا وإقليميا


تحول مودي إلى رجل “الهند القوي”، يثير الكثير من الجدل في الأوساط الأميركية والهندية حول الآثار المترتبة على انتصار حزب “بهاراتيا جاناتا” بالنسبة إلى العلاقات الهندية الأميركية، التي تغلب عليها صفة التعقيد وعدم الثقة، رغم التقارب الذي حصل في السنوات الأخيرة. وقد كانت الصين حلقة الوصل بين الطرفين.

من جهتها تعمل الولايات المتحدة على تطويق الصين بواسطة الدول المحيطة بها وفي المحيط الهادئ وخاصة في بحري الصين الشرقي والجنوبي. وفي السنوات الأخيرة، ومع التغيرات التي طرأت على التشكيلة الدولية، أقدمت واشنطن على تغيير استراتيجيتها تجاه الهند واتجهت العلاقات الأميركية الهندية من العداء وعدم الثقة المتبادلة، منذ فترة الحرب الباردة إلى التعاون من أجل منع احتمال قيام الصين بأي عمل في المحيط الهندي.

وينظر العديد من المراقبين إلى هذا التقارب الأميركي الهندي على أنه نوع من المراهنة الأميركية على الهند للوقوف أمام بروز الصين كقوة إقليمية عظمى، وهو ما ذهب إليه سعد محيو في تحليل له حمل عنوان “استراتيجيتا اليابان والهند: نحو العسكرة” والذي رجح فيه أن تكون الهند قريبا قوة رئيسة في النظام العالمي الجديد، حيث أن دورها سيشمل مسؤوليات إقليمية أوسع من شبه القارة الهندية في المنطقة الآسيوية، وتعاونا وثيقا مع القوى المسيطرة ، خاصة الولايات المتحدة، حول القضايا الحيوية لجدول أعمال النظام العالمي الجديد.

ويقول محيو إن هذا الدور سيتضح حين يأخذ النظام العالمي شكلا محددا على المستويين الدولي والإقليمي، غير أن المؤشرات على هذا الدور المحتمل لم تتراكم طيلة السنوات الأخيرة من جانب مؤسسات الدراسات الاستراتيجية، وكلها تشير إلى أن الهند سيكون لها أساسا دور استراتيجي- عسكري. فهي ستكون لاعبا في كل الخطط المتعلقة بالاستراتيجيات والعلاقات والتحالفات المتعلقة بالاهتمامات الأمنية للنظام العالمي الجديد.

6