الصين وجيرانها

الثلاثاء 2014/06/17

منذ أكثر من خمس سنوات بدأ يتشكل ائتلاف هندي ياباني لمقاومة المطالبات بالأراضي من جانب الصين، وتسارَع نسق هذه العملية بقدوم قادة جدد يتمتعون بحيوية فريدة من نوعها سواء في طوكيو أو نيودلهي حيث شرعوا منذ البداية في حوار استراتيجي شخصي بهدف إيجاد طرق لتقديم الدعم للفلبين وفيتنام اللتين تتعرضان لضغط كبير من الجانب الصيني.

هناك انعكاسات مباشرة تعني اسرائيل في طرفي الائتلاف إذ قررت كل من الحكومة اليابانية والهندية تقوية علاقتهما بإسرائيل وذلك لأسباب متنوعة. لكن ما زال هناك مجال أكبر لتوسيع العلاقات مع الطرف الياباني نظرا إلى أن العلاقات الإسرائيلية الهندية مكثفة وواسعة من قبل.

مقاومة الصين أسهل، وربما أقل خطورة، لكن أكثر تعقيدا من مقاومة الاتحاد السوفييتي سابقا لأنه لا يمكن ببساطة معارضة الصين في كل شيء. مازال معها قدر كبير من التعاون والتنافس التجاري الصحي بدل الصدام، بالرغم من أن حاصل الصدام ما فتئ يتصاعد مؤخرا. بالنسبة إلى الاتحاد السوفياتي كان كل ما من شأنه أن يفقّره يعدّ مكسبا لأن ذلك ينجر عنه خفض الإمكانيات العسكرية، أما بالنسبة للصين فإن تفقيرها من شأنه أن يفقر العالم بأسره.

لماذا من الأسهل مقاومة الصين؟ لأن القيادة الصينية لم تطبق استراتيجيا قصوى، أو حتى استراتيجيا ناجعة بشكل معتدل. عوضا عن ذلك فهي تتبع استراتيجيا ذات مفعول عكسي.

الإستراتيجية المثلى بالنسبة إلى الصين تتمثل في عكس استراتيجية “الصعود السلمي” الناجحة جدا التي لم تهدد أحدا ولم تطالب بأية أراضي، ومن ثم جلبت الاستثمارات وحسن النية من الجميع، بمن فيهم اليابان والولايات المتحدة خاصة. وهذا ما سهل النمو الإجمالي للصين وزيادة نفوذها العالمي الذي لم يقاوم.

الإستراتيجية الأفضل بدرجة ثانية بالنسبة إلى الصين هي مواصلة “الصعود السلمي” على الصعيد العالمي، لكن مع استثناء اليابان الساعية إلى عزلها باعتبار أنها “القوة الشريرة” في آسيا، ومطالبة بجزيرة سنكاكوس وربما ريوكيوس أيضا، بينما تواصل الابتسام لكل البلدان المجاورة والولايات المتحدة. هذه الاستراتيجية الأفضل كان من الممكن أن تسمح بقدر كبير من الدعاية القومية في حين تدمر العلاقات مع اليابان فقط، وكان من الممكن أيضا أن تمارس بعض الضغوط على التحالف الأميركي الياباني عبر تصوير اليابان على أنها العائق الوحيد أمام العلاقات الصينية الأميركية التي لولا مشكل اليابان لكانت ممتازة.

لكن بدل الاستراتيجية المثلى، أو على الأقل الأفضل بدرجة ثانية، قام الزعماء الصينيون بإثارة نزاعات متزامنة على الأراضي مع الهند حول أروناشال برادش ولداخ، ومع الفيتنام وأندونيسيا وماليزيا وبروني والفلبين حول بحر الصين الجنوبي، إلى جانب النزاع مع اليابان حول سنكاكوس، ومن ثم أيضا مع حلفاء بعض هذه البلدان السبعة، وخاصة الولايات المتحدة وأستراليا.

سبب واحد يمكن أن يفسر الخيار المتعمد لاستراتيجية دنيا، ألا وهو غياب التماسك داخل القيادة العليا أو داخل الجهاز المدني والعسكري وجهاز الدولة بأكمله. إن القوة هي الجماهير ضارب التماسك، والصين لديها عدد كبير من السكان وهو يزيد يوميا، لكن من الواضح أنها تفتقد إلى التماسك لأنه إن لم يكن الأمر كذلك لما تورطت القيادة في الدعاية القومية والدعاية المعادية لليابان وإظهار صورة “الصين القوية”، ولما كانت أيضا لتوظف موارد ضخمة للجيش ومنح قواته أدوارا طموحة أكثر من أي وقت مضى.

ربما توجد تفسيرات أفضل لاختيار استراتيجية دنيا، بيد أن القول بأن شي جين بينغ والصين يتبعان في الواقع نوعا من الاستراتيجية المتطورة جدا غير مدعوم بأي تسلسل فكري مقنع.

عملية بناء الائتلافات الضمنية (لكن الحقيقية) هذه مازالت جديدة جدا غير أنها شرعت بعد في إنكار الوصول والنفوذ وحسن النية أمام الصين في قوس كبير يمتد من الهند إلى اليابان. لقد جعلت الشخصيات المهمة في الهند العلاقة الأمنية المشتركة مع اليابان (من أجل حماية البلدان الموجودة في الوسط) أولوية في سياستها الخارجية. وتبقى كوريا الشمالية هي وحدها مرشحة للالتحاق بمجال النفوذ الصيني.

لا تستطيع الصين التغلب على هذا الائتلاف بمجرد عدد سكانها الضخم، ناهيك أن الهند واليابان والفيتنام معا لديهم عدد أكبر من السكان وهم أكثر قدرة اقتصادية، وأكثر تكنولوجيا من الصين، هذا إضافة إلى الولايات المتحدة وأستراليا والبلدان الأربعة المتبقية لديهم بعض السكان والمال والتكنولوجيا.

وإذا حافظت الصين على النمو بمعدل ضعفين أو ثلاثة أضعاف مقارنة ببقية البلدان في العقود المقبلة (وذلك مستبعد لكن ليس مستحيلا) يمكن أن يتغير الوضع بالطبع، لكن في الوقت الراهن أفضلية الصين من ناحية السكان والتماسك (النسبي وليس المطلق) باعتبارها قوة توحيد لا يمكن أن تواكب عملية بناء الائتلافات الجارية حاليا، حتى أنه بالإمكان تقليص المجهود العسكري الأميركي.

ومازال الكثيرون غير مدركين بشكل كبير لضعف الصين في الناحية الاستراتيجية، وهو ما بينه خطؤها البدائي في استفزاز الكثير من الدول بشكل متزامن. وبالرغم من تاريخ الصين من الهزائم وقرن كامل من الغزوات التي قام بها أعداء مختلفون في كل الجوانب ما عدا المجال الإستراتيجي، يستمر الاعتقاد بأن الصينيين بارعون استراتيجيا مثلما هم بارعون في كل شيء آخر.

لذلك الكثير معجبون بخطط الصين الإستراتيجية “بعيدة المدى” (‘سلسلة الجزر الأولى’ ، ‘سلسلة الجزر الثانية’، إلخ) ويخفقون في إدراك أن كل الخطط الإستراتيجية بعيدة المدى هي علامة على عدم الكفاءة الإستراتيجية لأنها تحتوي على “مغالطة الحركة الأولى”، وهي في الواقع أكثر الأخطاء بدائية في على المستوى الإستراتيجي. ليس هناك بالضرورة ترابط بين مختلف مستويات الاستراتيجية، وما من انسجام طبيعي بين المستوى التكتيكي لوحدة القتال والمستوى العملياتي الذي يحدد نتائج المعركة والاستراتيجية الميدانية التي تحكم الحملات والمستوى النهائي للنتائج: مستوى الاستراتيجية الكبرى.

لاشيء يمنع الجيش الصيني من زيادة كفاءته على المستوى التكتيكي والمستوى العملياتي عن طريق التدريب المكثف ونشرهم بشكل أوسع وفي أماكن بعيدة من أرض الوطن. لا شيء يمنع الصينيين من اكتساب قدرات جديدة وهائلة، مثل صواريخ بالستية مضادة للسفن مجهزة برؤوس حربية، لهذا يجب أخذ النمو المادي لقوة الصين العسكرية مأخذ الجد وهذا يتطلب ردا جديا بغض النظر عن عدم الكفاءة الاستراتيجية لدى الصين.

دراسة أعدّت في إطار مؤتمر هرتسيليا للأمن القومي الإسرائيلي

6