الصين – الفاتيكان: صفقة مثيرة للجدل

في ظل تعرض الكاثوليكية للتحديات في مختلف أنحاء العالم، قد يجد الفاتيكان في سكان الصين البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة ما يغري كفاية لعقد صفقة.
الجمعة 2018/05/11
صفقة مثيرة للجدل

بعد ما يقرب من 70 عاما من قيام الزعيم الصيني ماو تسي تونغ بطرد ممثلي البابا بيوس الثاني عشر من جمهورية الصين الشعبية في عام 1951، أصبح الحزب الشيوعي الصيني والفاتيكان في الأيام القادمة على وشك التوقيع على اتفاق “تاريخي” يمكن أن ينهي حالة القطيعة الدينية والدبلوماسية بين الجانبين منذ عقود، حسبما أكد مؤخرا الأمين العام لمؤتمر أساقفة الصين المونسينور جو جينكاي.

ورغم بقاء تفاصيل هذه الصفقة سرية في الوقت الراهن، يرى عدد من المهتمين بالشأن الصيني أن هذا الاتفاق التاريخي المرتقب بين الصين والفاتيكان له فوائد عديدة. فمن ناحية، سوف يمهّد هذا الاتفاق للقضاء على الازدواجية الموجودة حاليا لدى الكاثوليك الصينيين.

توجد في الوقت الراهن كنيستان كاثوليكيتان: الأولى هي كنيسة سرية موالية للبابوية ويتم تعيين أساقفتها من جانب الفاتيكان، والثانية كنيسة علنية ومعترف بها من جانب الحزب الشيوعي الصيني، وتعرف باسم الرابطة الوطنية الكاثوليكية الصينية، ويتم تعيين الأساقفة فيها من جانب الحزب الشيوعي الصيني، إلا أنهم قد يتم طردهم في بعض الأحيان من قبل الكرسي الرسولي لقبول المنصب دون موافقة البابوية.

ومن شأن الاتفاق المنتظر أن يخلق نوعا من التعاون بين الحزب والفاتيكان في تعيين الأساقفة، مع منح البابا الموافقة النهائية (أو حجبها) عن جميع المرشحين. وفي ضوء ذلك، سيحقق الحزب الشيوعي الصيني من هذا الاتفاق ما يريده، سواء من حيث موافقة الفاتيكان على اختيارات الحزب من الأساقفة، أو من حيث تزايد المكانة الدولية للصين نتيجة التعاون والعمل مع الفاتيكان.

الفاتيكان، من جهته، سيحصل على ما يريده من هذا الاتفاق، وهو التقارب مع الصين من ناحية ومن ناحية أخرى إصباغ الوضع القانوني على كافة أتباع الكنيسة الكاثوليكية في الصين، خاصة بعد أن تم تمرير قانون “الشؤون الدينية” في بداية عام 2018، لمواجهة التهديدات الإرهابية والأمن الإلكتروني.

من شأن الاتفاق المنتظر أن يخلق نوعا من التعاون بين الحزب والفاتيكان في تعيين الأساقفة، مع منح البابا الموافقة النهائية (أو حجبها) عن جميع المرشحين

وحيث يمكن أن يؤدي هذا القانون إلى سجن واعتقال أساقفة وأتباع الكنيسة الكاثوليكية (السرية وغير القانونية). ولذلك، فإن توقيع اتفاقية تعاون مع الحزب الشيوعي الصيني قد يوفر للكاثوليك في الصين قدرا كبيرا من الحماية من هذا القانون.

كما يراهن البابا فرانسيس على التقارب مع الصين ليمنحه سلطة حتى لو كانت اسمية على جميع الكاثوليك في الصين، وهو مكسب يهمّ الفاتيكان وإن كان رمزيا لا سيما، وأن الديانة الكاثوليكية تتراجع أمام الطوائف المسيحية الأخرى بين الصينيين الذين يقبلون على دخولها.

إلا أن هذا الاتفاق المنتظر يلقى معارضة كبيرة من داخل الكنيسة الكاثوليكية، حيث ترتفع أصوات تحذر من أنه سيؤدي إلى إبعاد “الأساقفة المخلصين” للبابوية وصعود “الأساقفة الموالين” للحزب الشيوعي الصيني، وهو الأمر الذي استنكره الفاتيكان في بيان رسمي محذرا من أولئك الذين “يشعلون الارتباك والخلاف” داخل الكنيسة الكاثوليكية.

وقال الكاردينال بييترو بارولين، وزير خارجية الفاتيكان، “إن الأب الأقدس (البابا) يتابع شخصيا اتصالاته الحالية مع سلطات جمهورية الصين الشعبية. فجميع متعاونيه يعملون بالتنسيق معه. ولا أحد يأخذ مبادرات خاصة”.

كما أكد مسؤولو الفاتيكان أيضا على أن الاتفاق مع الصين ربما لا يكون الأمثل، من وجهة نظر البعض، إلا أنه مهمّ للغاية لجعل حياة الكاثوليك في الصين آمنة بقدر الإمكان، خاصة بعد تطبيق الأنظمة الدينية الجديدة.

على أيّ حال يمكن القول إن الصفقة المثيرة للجدل بين قادة الحزب الشيوعي الصيني وبابا الفاتيكان سيكون لها، دون شك، دور كبير في حماية الكاثوليك الصينيين من الملاحقات الأمنية في الفترة المقبلة، كما أنها سوف تفتح المجال أمام الصين لاكتساب مكانة دولية أكبر نتيجة العمل بنجاح مع الكنيسة الكاثوليكية.

ومع ذلك، يحذر البعض من أن هذا الاتفاق، إن وقع بالشكل المطروح، سيمثّل دليلا على أن البابا والفاتيكان يتنازلان عن سلطتهما الأخلاقية من خلال التعاون مع “نظام شمولي يضطهد الملايين من مواطنيه”.

12