الضجيج اللبناني حول سوريا

لبنان ينتقل إلى مرحلة سياسية جديدة عنوانها إعادة فتح قنوات التواصل السياسي مع النظام السوري، ولا يبدو أن الرئيس سعد الحريري في قاطرة تقلّه إلى مكان مغاير.
الثلاثاء 2019/10/15
جبران باسيل رجل إيران في لبنان

“إنني ذاهب إلى سوريا”. قالها وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، في خطابه الذي ألقاه في ذكرى 13 أكتوبر 1990. يوم اقتحم الجيش السوري ما سمي آنذاك المنطقة الشرقية من بيروت، وأنهى سلطة العماد ميشال عون آنذاك، الذي لجأ إلى السفارة الفرنسية، وبدأت منذ ذلك الحين، مرحلة الوصاية السورية على لبنان حتى عام 2005.

اختار باسيل هذه المناسبة ليعلن موقفه، رغم أن مثل هذا القرار يتطلب موافقة مجلس الوزراء اللبناني، الذي يبدو أنه بات ناضجا لإعادة فتح قنوات التواصل السياسي مع النظام السوري، فما الذي تغيّر ليُعلن باسيل هذا القرار في المناسبة المذكورة قبل يومين؟

لم تحسم الجامعة العربية قرار إعادة سوريا إلى حضن الجامعة بعد، ففي اجتماع وزراء الخارجية العرب الطارئ قبل أيام في القاهرة، إثر دخول القوات التركية إلى شمال سوريا، دعا باسيل في كلمته إلى عودة سوريا التي فقدت مقعدها منذ سبع سنوات، وفيما أدان التدخل التركي في سوريا، جدد التأكيد على أنه من غير المعقول أن تناقش أوضاع سوريا في غيابها.

بين التدخل التركي في سوريا، والمطالبة من قبل لبنان بعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، تحاول إيران من خلال قاعدتها اللبنانية، خلط الأوراق في سياق تهميش الدور العربي

لم يكن موقف باسيل في الجامعة العربية بشأن سوريا مستساغا لدى العديد من اللبنانيين الذين يعتبرون أن نظام الأسد يقف وراء مأساة شعبه، ويتحمّل مسؤولية ما عاناه لبنان من الوصاية ومخلفاتها. لكن في المقابل يمكن ملاحظة أن الاعتراض من قبل أطراف السلطة لم يسمع، بل لم تصدر أصوات معترضة على هذا الخطاب، باستثناء ما قاله رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي أعلن أن لبنان يلتزم بقرار جامعة الدول العربية في شأن العلاقة مع سوريا، لكنه اعتبر أن باسيل في موقفه من التدخل التركي كان يعبّر عن الموقف اللبناني.

كل المؤشرات تدلّ على أن لبنان ينتقل إلى مرحلة سياسية جديدة عنوانها إعادة فتح قنوات التواصل السياسي مع النظام السوري، ولا يبدو أن الرئيس الحريري في قاطرة تقلّه إلى مكان مغاير، فالرئيس الحريري الذي انتقل من مرحلة قيادة مشروع مواجهة الممانعة بفروعها اللبنانية وعلى رأسها حزب الله، انتقل إلى مرحلة التأقلم مع ميزان القوى الجديد، الذي كان من أبرز نتائجه وصول مرشّح حزب الله العماد ميشال عون إلى سدة الرئاسة، وما تلاه من انتخابات نيابية جرى ترتيبها لتوفر الأكثرية لحزب الله وأتباعه، بحيث أن قائد فيلق القدس أعلن صراحة أنّ لدى حزب الله أكثر من 70 نائبا، إثر الانتخابات النيابية التي جرت العام الماضي.

على أنّ عاملا آخرا يدفع الحريري إلى مجاراة إعلانات باسيل حول العودة إلى سوريا، وذلك من خلال ما يعتقده أن ثمة قراراً عربياً سوف يصدر في هذا الشأن في المدى المتوسط، وهو كرئيس حكومة يطمح لأن يكون له دور في أي عملية نهوض بالوضع الاقتصادي على المستوى اللبناني والسوري، وهذا يتطلّب أن يكون مستعدّا لمثل هذا القرار العربي من جهة، وألاّ يكون في موقع يظهر فيه وكأنه آخر من يعلم.

قد يبدو هذا الكلام مبالغا فيه ولكن هذا واقع الحال لدى السلطة في لبنان اليوم. فالاستعجال نحو بناء علاقات سياسية مع سوريا، لم يعُد أمرا يثير اعتراضات يعتد بها، خصوصا أنّ الأوضاع المالية والاقتصادية السيئة في لبنان باتت الشغل الشاغل للبنانيين، وبات الكثير منهم يريد أن يصدق أن حلّ مشكلة اللجوء السوري في لبنان ستعيد للبنان عافيته، وهذا حسب “المعزوفة الباسيلية” يتطلّب إعادة العلاقات مع سوريا.

ليس خافيا أن بضاعة فتح العلاقة مع نظام الأسد، هي بضاعة لبنانية، لكن التدقيق في منشأ هذه البضاعة ومصدرها الحقيقي، يُظهر أنها بضاعة إيرانية يجري ترويجها بدمغة لبنانية مزوّرة، فإيران التي باتت المتحكّم بالسياسة الخارجية اللبنانية من خلال حزب الله، (جبران باسيل كان في ضيافة أمين عام حزب الله عشية توجهه إلى القاهرة) تدرك أن محاولات إخراجها من سوريا تجري على قدم وساق، وهي التي استثمرت بشخص الرئيس بشار الأسد، باتت معنية بحمايته وتوفير فرص بقائه لأنه الضمانة الوحيدة لإضفاء الشرعية السورية على الوجود الإيراني في هذا البلد، لذا فإن الحركة اللبنانية نحو العلاقة مع سوريا، هي محاولة تعزيز موقع الأسد في أيّ تسوية مقبلة، وحماية ما أمكن من الأوراق الإيرانية.

لم يكن موقف باسيل في الجامعة العربية بشأن سوريا مستساغا لدى العديد من اللبنانيين الذين يعتبرون أن نظام الأسد يقف وراء مأساة شعبه، ويتحمّل مسؤولية ما عاناه لبنان من الوصاية ومخلفاتها

وفي سياق متصل لم يكن الدخول التركي العسكري والمستمر إلى شمال سوريا، مصدر استياء لإيران، رغم المواقف المعلنة والرافضة لأيّ تدخل بمعزل عن موافقة النظام السوري. فإيران تدرك أنّ الدخول التركي الذي يتم تحت المظلة الروسية الأميركية، يعزز من مسار إبعاد المظلة العربية، فبدل أن تكون إيران الهدف الذي يتم التصويب عليه كطرف متدخل في سوريا، تتحوّل تركيا إلى هذا الهدف لاسيما في الدائرة العربية، علما أن العلاقة التركية الإيرانية أكثر من جيدة، حيث تعتبر تركيا من أكثر الدول المعترضة على العقوبات على إيران، ولا تزال تركيا متنفسا لإيران في مواجهة ضغط العقوبات الأميركية.

واقع الحال يقول إن المعادلة الإقليمية والدولية في سوريا تدخل في مفصل جديد، وسيشكّل الدخول التركي إلى شمال شرق سوريا محاولة تثبيت السيطرة الثلاثية التركية والإيرانية والروسية، فيما المظلة الأميركية الروسية المستمرة منذ تفاهم جون كيري – سيرغي لافروف هي الراعي لهذا النفوذ، لكن ذلك لا يقلل من شأن الأسئلة حول مستقبل النفوذ الإيراني وطبيعته، إذ أن إيران التي رضخت لمطالب إسرائيل في سوريا، تحاول من خلال ذلك توجيه رسائل مطمئنة لإسرائيل على الأرض، برز منها أخيرا التزام حزب الله عدم الرد على الطائرات المسيّرة الإسرائيلية التي لم تتوقف عن الطيران فوق لبنان، وكانت مساء السبت تحلق على علو منخفض فوق الضاحية الجنوبية، دون أن يصدر أي موقف أو إشارة من حزب الله.

بين التدخل التركي في سوريا، والمطالبة من قبل لبنان بعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، تحاول إيران من خلال قاعدتها اللبنانية، خلط الأوراق في سياق تهميش الدور العربي، عبر تثبيت أن النافذة المتاحة للعرب للدخول إلى سوريا، هي نافذة النظام السوري. في الوقت الذي تريد إيران من خلال حزب الله، غسل أياديها من جريمة قتل وتهجير الملايين من السوريين، بالقول ها هم العرب أنفسهم عادوا إلى حضن النظام السوري، وهي عودة يتم التحضير لها ببيع أوهام التسوية وسلة الإغراءات الاستثمارية، التي يسيل لها لعاب المسؤولين اللبنانيين من جبران باسيل إلى سعد الحريري.

9