الضد وضده النوعي في الشخصية العراقية

الجمعة 2015/02/20

مات علي الوردي وفي نفسه أكثر من شيء عن “الشخصية العراقية”، قضيتُ ربع قرن أدرّس “علم نفس الشخصية” في جامعات عراقية وعربية، وسأموت وفي نفسي أشياء عن هذه الشخصية العجيبة في بلد العجائب العراق الذي وصفه الجواهري “أبا الفرسان لا عجب فإنّا.. نؤدي فدية البلد العجيب”.

فمن عجائبها أن الطب النفسي يقرّ بوجود حد لطاقة الناس على التحمل، إذا ما تجاوزها أحدهم فإنه ينهار نفسيا أو يصبح مجنونا أو ينتحر، فيما تحمّل العراقي ثلاثة عقود ونصف من حروب كارثية متصلة (باستثناء سنة واحدة 1989 التقط بها أنفاسه)، وحصار أكل فيه الخبز الأسود 13 عاما تفضي بالإنسان السوي إلى أن يجزع من الحياة أو تزهق روحه، غير أن العراقيين كانوا، مع كل هذه المصائب، يحمدون الله ويشكرونه، بل إنهم وصلوا إلى الحال الذي يذهبون في الصباح إلى مجلس فاتحة يعزّون صديقا تطايرت أشلاء أخيه بانفجار، ويذهبون في مساء اليوم ذاته إلى حفلة عرس صديق آخر يغنون ويرقصون.

ومع أن الموت صار يمشي مع العراقي كظلّه، فإنه ما عاد أحد مكترثا به، فهذا يذهب إلى عمله معللا النفس بسيكولوجية “كل واحد يموت بساعته”، وذاك إلى المقهى يشرب النرجيله “ويلعن أبو الدنيا”، وذاك إلى الجامع حاملا مسبحته ومرددا “الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه”، والكل متعلق بالحياة بطريقته في تعامله مع الأفراح والفواجع التي صارت تأتيه على رأس الساعة.

تناقض الأضداد كان أعمق في علاقة العراقيين بالسلطة. فنحن هتفنا للحاكم بفداء أرواحنا له، وحين نغادر ساحات الإعلان نلعنه وندعو الله في صلواتنا أن يخلصّنا منه. وصفة غريبة نضيفها إلى عجائب الشخصية العراقية، إننا حين نتحاور مع بعضنا لا نعطي الفرصة للآخر للتعبير عن رأيه، وحين يعلّي صوته نعلّي أكثر، ونقاطع.. إلا الحاكم، فإننا نصمت أمامه وكأننا أصبنا بالخرس الذي نطق الآن بالتملق لهذا الحاكم أو لضده. ونحن حين نكون مع بعضنا نتباهى بأنفسنا حتى ليبدو أحدنا وكأنه مركز الكون، فيما “يفش” ورمنا وننزوي بآخر الكون في حضرة هذا السلطان أو ذاك، ونجعله الكون كله وليس مركزه فقط.

تحرينا أسباب تناقض الأضداد الذي تكاد الشخصية العراقية تنفرد بحدتّه فوجدنا أن العراق قبل آلاف السنين كان سهلا استهوى الغزاة، وأن الصراع فيما بينهم أفضى إلى نتيجة هي أن البقاء يكون لأقوى المحاربين وأشدّهم بأسا، وأن من طبيعة الأقوى أن يشيع بين الناس ثقافة الخوف والرعب، فيمجدّونه في حضوره ويلعنونه في سرّهم.

وحين يواجه الناس حكّاما لهم سلطة “أنا أحيي وأنا أميت” على مدى قرون، تشيع ثقافة الأضداد لتصبح سلوكا عاما، فصرنا نتعامل حتى مع أرق العواطف الإنسانية وأجملها بنقيضها الضد. فلا شيء أجمل وأرق من “الحب” فبه نفرح ونتعلق بالحياة ونحب الناس والطبيعة، لكنك تجد العكس في أغانينا؛ أحزان ومآتم وخيانة ودموع وألحان مدوزنة على إيقاع “اللطميات” الحسينية.

وحين تختلي بفكرك لتتأمل تخرج بنتيجة أن السبب الرئيس لتناقض الأضداد في الشخصية العراقية هو أنه ناجم عن ثقافة خوف تراكم عبر مئات السنين. والمفارقة أن التحرر من الخوف يفضي، وفق المنطق، إلى فض إشكالية تناقض الأضداد. لكن ما حصل أنه ظلّ ثابتا في الشخصية العراقية مع تغيير في الاتجاه مصحوب بفوضى. فمع أن العراقي صار يلعن الحاكم علنا دون خوف، إلا أنه صار يفرّغ فيه ما كان مكبوتا. والأوجع أن العراقيين صاروا أضدادا فيما بينهم، يلعنون بعضهم بعضا في السرّ والعلن، وتلك مصيبة ستظل قائمة ما دامت سلطة الحكم أضدادا. في داخل كل ضد “ميكافيلّي” التقط من تعاليمه الجمع بين “خداع الثعلب ومكر الذئب وضراوة الأسد”، والتزم بأصدق وصاياه: لا يجدي أن يكون الحاكم شريفا دائما.


رئيس الجمعية النفسية العراقية ومؤسسها

9