"الضربات الأفقية" تهديد داعشي حقيقي لأمن أوروبا

الاثنين 2015/11/02
أوروبا تواجه تهديدات حقيقية متنامية تستهدف أمن دولها الداخلي

أضحى جليا أنّ البلدان الأوروبية متوجسة، هذه الأيام أكثر من غيرها، من التهديدات التي وجهها إليها تنظيم “داعش” والتي تستهدف أمنها القومي بالأساس. وهذا ما عكسته تصريحات مسؤولين أوروبيين رفيعي المستوى، اعتبروا خلالها أنّ احتمالات وقوع عمليات إرهابية على أراضي بلدانهم باتت وشيكة. ويرى مراقبون أنّ هذه التهديدات ربّما كانت وراء القرار الذي اتّخذته كلّ من فرنسا وبريطانيا القاضي بتوجيه ضربات جوية ضد التنظيم في سوريا والعراق.

وقد حذرت المخابرات البريطانية يوم 29 أكتوبر الجاري من هجمات واسعة وجماعية لداعش، من المحتمل أن يقع تنفيذها في بريطانيا بشكل استعراضي. ونقلت صحيفة “ديلي تلغراف” عن رئيس جهاز المخابرات البريطانية اندرو باركر، أنّ الجهاز نجح خلال الأشهر الماضية في إحباط ما لا يقل عن ستة هجمات كبرى، خطط لها داعش، وكان سينفذها إرهابيون مؤيدون للتنظيم في بريطانيا.

وتوقعت المخابرات الفرنسية بدورها في تقريرها الصادر يوم 27 أكتوبر الجاري، قيام داعش بشن اعتداءات جديدة على دول أوروبية، أبرزها ألمانيا وأسبانيا وفرنسا، وفقا لإذاعة “فرانس إنفو”. وترجح المخابرات في تقرير سري تم الكشف عنه، مؤخرا، أن يكون أفراد التنظيم المكلفون بهذه العمليات من بين مواطني هذه البلدان، وهي استراتيجية جديدة لداعش تسمّى “الضربة الأفقية”.

وفي ذات السياق، أعلن مدير الاستخبارات الفرنسية برنار باجوليه، يوم 27 أكتوبر في واشنطن خلال مؤتمر حول الاستخبارات، أنّ “الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى إلى غير رجعة”، مؤكدا “أنّ دولا مثل العراق وسوريا لن تستعيد أبدا حدودها السابقة”.

كثيرا ما سلطت حوادث الذئاب المنفردة الضوء على المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق ومناطق نزاع أخرى

واعتبر المكتب الاتحادي لمكافحة الجريمة في ألمانيا، بدوره، أنّ التدفق المستمر للاجئين على البلاد بات يمثل عنصرا يهدد الأمن الداخلي بشكل متزايد. وحذر رئيس المكتب هولغر مونش في تصريحات لمجلة “فوكوس″ الألمانية، مؤخرا، من “سوء الوضع الأمني بسبب الزيادة المستمرة لأعداد اللاجئين”.

وسبق أن كشف مسؤولون في باريس يوم 17 سبتمبر الماضي النقاب عن أنّ تحرك فرنسا لشن ضربات جوية ضد تنظيم داعش في سوريا يعكس ورود تقارير استخباراتية جديدة تحذر من أهداف التنظيم المتزايدة نحو استغلال المجندين الأوروبيين لتنفيذ هجمات في بلدانهم، خاصة في فرنسا، نقلا عن صحيفة “وول ستريت جورنال”.

وكثيرا ما سلطت حوادث الذئاب المنفردة الضوء على المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق ومناطق نزاع أخرى، بعد أن أغفلت البلدان الغربية الحد من تدفق تلك الجماعات إلى العراق وسوريا. وقد أقرّت العديد من أجهزة الاستخبارات الأوروبية بوجود ثغرات في هذا الصدد، وفق ما جاء على لسان رئيس الحكومة الفرنسية مانويل فالس في وقت سابق. أما رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك، فقد قال “إنّه ينبغي على الاتحاد الأوروبي التركيز على سبل مكافحة الإرهاب وتقوية جبهته الداخلية من خلال تبادل المعلومات بين دوله والدول المعنية”. وفي ذات السياق عبرت وزارة الداخلية الألمانية عن قلقها من تنامي ظاهرة سفر متشددين ألمان للانضمام في صفوف تنظيم داعش.

وتكمن المشكلة اليوم في وجود العديد من شبكات العمل التي تنشط داخل دول أوروبية لترتيب عمل الأفراد الذين يريدون الالتحاق بالتنظيمات المتشددة وتأمين أوراقهم سفرهم وحجوزاتهم من أجل الالتحاق ببؤر النزاع في سوريا والعراق ومناطق أخرى. ويقول الباحث لورينزو فيدينو “إنّ الأجواء البريطانية المتساهلة مع المتأسلمين ومنحهم حقّ اللجوء أسهمت في تثبيت المتطرفين في الشرق الأوسط وفي بريطانيا، على مدى العقود الـ5 الأخيرة. وهذا ما يستدعي القول بأن أوروبا قد تحولت بالفعل إلى جغرافية تشهد نشاط وحركة الجماعات المتطرفة من وإلى مناطق النزاع في الشرق الأوسط”.

أغلب عناصر داعش حصلوا على الخبرات وشارك معظمهم بعمليات قتالية، وهذا ما يرجح احتمالات وقوع عمليات إرهابية وشيكة خلال الفترة القادمة

وتواجه دول منطقة “الشنغن” الآن تحديا كبيرا في مجال الأمن ومواجهة الجماعات المتطرفة التي تستغل حرية الحركة كثيرا، وهذا ما صعّد من حراك الاستخبارات الأوروبية بإيجاد تعاون أفضل في تبادل المعلومات وتعقب المطلوبين، وفي نفس الوقت صعّد من الأصوات التي تطالب بتعديل اتفاقية “الشنغن”.

وتفيد تحليلات بأنّ المهاجمين في الغالب يخططون لتنفيذ عمليات خارج الدولة الأوروبية التي يعيشون فيها، عكس ما جاء في تقرير الاستخبارات الفرنسية، مستغلين فتح الحدود والترابط الجغرافي وعدم وجود مراقبة داخل دول الشنغن، ومن أبرز الدوافع التي تدفع هذه الجماعات لتنفيذ العمليات خارج بلدانهم هي، تجنب المراقبة من قبل أجهزة الاستخبارات المحلية وتجاوز رصد السجل الجنائي لدى الاستخبارات الداخلية، ليكون بعيدا عن الرقابة وتجنب احتمالات كشف الـ”دي آن إي” والبصمات وبصمات الخطوات.

خلاصة القول، إن ما يتعرض له تنظيم داعش من ضغوطات عسكرية في سوريا والعراق، يدفعه إلى استهداف دول أوروبية وغربية، لتخفيف تلك الضغوطات. وما يزيد في درجة الخطورة داخل أوروبا أن أغلب عناصر داعش حصلوا على الخبرات وشارك معظمهم بعمليات قتالية، وهذا ما يرجح احتمالات وقوع عمليات إرهابية وشيكة خلال الفترة القادمة.

باحث في قضايا الإرهاب

6