الضربة- الصفقة.. وحكاية الرأي العام

الثلاثاء 2013/10/01

على مدى عامين ونصف من الثورة السورية، وعلى مرأى من العالم أجمع، لم يتوقف النظام الأسدي عن قتل السوريين واعتقالهم وتدمير بيوتهم. وباءت بالفشل، جميع محاولات الحصول على دعم حقيقي للثورة، أو استدعاء تدخل عسكري خارجي. لكن، في أعقاب قيام النظام بتاريخ 21 آب 2013 بضرب غوطة دمشق بالأسلحة الكيماوية، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما قراره بتوجيه ضربة عسكرية للنظام، وصفت بأنها ستكون محدودة، ولن تهدف إلى إسقاط النظام، بل ردعه عن تكرار فعلته.

بغض النظر عن الدوافع المعلنة والمخفية للضربة الأميركية، فقد لاقى قرار الرئيس الأميركي الترحيب من غالبية المعارضين للنظام. بما في ذلك، الكثير من المعارضين الذين طالما أعلنوا رفضهم لأي تدخل خارجي. ويبدو واضحاً، أن القاسم المشترك بين أغلبية المعارضين السوريين المؤيدين للضربة الأميركية، هو مراهنتهم على ما يمكن أن تؤدي إليه هذه الضربة من إسقاط للنظام، أو على الأقل إضعافه، وتوفير شروط إسقاطه عسكرياً، أو من خلال تسوية ما. وبالتالي وضع حد للقتل والتدمير الذي يتعرض السوريون له على يد نظامهم المجرم.

لكن، وعلى خلاف معظم التوقعات، سرعان ما بدأت أصوات طبول الحرب التي قرعها أوباما ووزير خارجيته كيري، بالخفوت. وقد تتالت سلسلة من المواقف، كتصويت البرلمان البريطاني ضد الضربة، وقرار الرئيس الأميركي العودة للكونغرس لمنحه تفويضاً بها، لتشير إلى أن ثمة تردد في توجيه الضربة العسكرية، وصل حد إلغائها أو تجميدها، بفعل الصفقة الروسية الأميركية، التي جرى تدويلها في الأمم المتحدة، والتي سيقوم النظام الأسدي بموجبها بتدمير أسلحته الكيماوية وتسليم مخزونه منها.

إن التلويح بالضربة العسكرية وعدم تنفيذها، هو أمر مرحب به، شرط أن يؤدي إلى إسقاط النظام، ومعاقبة جميع المسؤولين عن جرائمه، وفي مقدمتهم رأس النظام. أما الاكتفاء بتجريد النظام من سلاحه الكيماوي، وغض النظر عن جرائمه، التي ارتكبها بحق سوريا وشعبها، والتي استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة، الكيماوية وغير الكيماوية، فهذا استهتار بدماء السوريين. وانحطاط أخلاقي ما بعده انحطاط، لأدعياء الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وإن أقل ما يقال عن المشاركين في هكذا صفقة، هو أنهم شركاء فعليين مع النظام في جرائمه. في هذا السياق تستوقفنا، مسارعة البعض للقول بأن فشل المعارضة في مخاطبة الرأي العام الغربي، ولاسيما الأميركي، هو أحد الأسباب في ذلك التردد أو الإلغاء. لاشك أن المعارضة تستحق كل ما وجه لها من انتقادات، بل إنها تستحق نقداً أشد، بسبب سوء أدائها وتشرذمها، وهزالة خطابها، وضيق أفق القوى المشكلة لها، وتخلفها عن مواكبة الثورة ومتطلباتها. لكن هذا شيء وتحميلها ما لا علاقة لها به شيء آخر.

لا يمكن إنكار أهمية الرأي العام في الدول الديمقراطية ودوره في التأثير على صاحب القرار. لكن جميعنا يعلم كيف يصنع هذا الرأي، وكيف تلعب وسائل الإعلام، وغيرها من المؤسسات دورها في إعادة تشكيله، وفق ما يراه أصحاب القرار. ما نريد قوله، لو كان للإدارة الأميركية مصلحة في التدخل في سوريا وضرب النظام وإسقاطه، لاستنفرت كل أجهزتها ومؤسساتها ومراكز أبحاثها، من أجل تهيئة الرأي العام وإقناعه بذلك.

لا بد من الإشارة إلى أن الرأي العام الأميركي، لم يكن مهتماً بما يجري في سوريا. أي أن قرار الضربة الأميركية لم يأت نتيجة لموقف الرأي العام الأميركي. بالتالي، فإن العزوف عنها، لم يكن نتيجة لحصول تغير في ذلك الرأي. من جانب آخر، ورغم ما ذكرناه من أهمية الرأي العام في الديمقراطيات الغربية، إلا أن القول بأنه يشكل العامل الحاسم في قرارات تلك الدول وسياساتها، يتنافى مع العديد من الوقائع التاريخية.

فعندما قررت أميركا وحلفائها، عام 2003 شن الحرب على العراق، خرج الملايين في كل أنحاء العالم بتظاهرات ضد الحرب. وكانت أحجام المتظاهرين في العواصم المشاركة في الحرب هي الأكبر. لكن ذلك لم يثن أميركا وحلفائها عن شن الحرب. كذلك الأمر في ما يخص التظاهرات التي خرجت منددة بالجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين. لكن أصحاب القرار في تلك الدول لم يستمعوا لتلك التظاهرات، ولم يعيروا الرأي العام أي اهتمام، واستمروا في سياسة الانحياز اللامحدود لاسرائيل. وكما هو حال الفيتو الروسي اليوم الذي أفشل العديد من القرارات ضد النظام السوري. فقد كان الفيتو الأميركي بالمرصاد لأي قرار يدين إسرائيل، ويصب في مصلحة الفلسطينيين.

بناء على ما سبق، لا يمكن النظر إلى طلب أوباما تفويضاً بالضربة العسكرية من الكونغرس، أو إعلان بعض أعضاء هذا الأخير نيتهم العودة إلى قواعدهم لمعرفة موقفهم من تلك الضربة، على أنهما يندرجان في إطار تكريس التقاليد الديمقراطية. بقدر ما يعبران عن السعي إلى تسويف قرار الضربة العسكرية والنية في التراجع عنه. الأمر الذي أكدته مجريات الأحداث، وقرار الأمم المتحدة الأخير حول الأسلحة الكيماوية في سوريا.


كاتب فلسطيني

9