الضربة الغربية على سوريا كانت ضربة لإسرائيل أيضا

الوقت سلاح استراتيجي لأنه يسمح بتأخير التمدد الإيراني. هذا يثبت أن الضربات الإسرائيلية على قوافل حزب الله ومطار التيفور وأماكن تخزين السلاح الإيراني منطلقة من ضعف وليست قوة استباقية.
الأربعاء 2018/04/18
عين إسرائيل على قطع الطريق من طهران إلى بيروت

ليس ثمة ما يسر إسرائيل في الضربة الغربية التي وقعت فجر السبت الماضي على سوريا. الأهداف التي تم ضربها لا تمثل ثمنا حقيقيا بالنسبة لإسرائيل، التي بدأت ترسم استراتيجيتها في سوريا بناء على تموضع إيران.

هذا يعني أن إسرائيل ترى في نفسها محققا يقتفي أثر لص بين تضاريس سوريا.

إسرائيل تدرك أن الضربة الغربية هي امتداد لسياسة التجاهل لمصالح إسرائيل، التي دأبت الولايات المتحدة على انتهاجها طوال سنوات الصراع. جعل هذا سوريا استثناء في المفاعيل التي بنيت عليها دعائم العلاقات بين الجانبين منذ صعود دونالد ترامب للرئاسة الأميركية.

كل ما تبقى لإسرائيل هو الوقت كي توظفه لتحقيق أكبر قدر ممكن من مصالحها في سوريا. الوقت سلاح استراتيجي لأنه يسمح بتأخير التمدد الإيراني قدر الإمكان. هذا يثبت أن الضربات الإسرائيلية على قوافل حزب الله ومطار التيفور وأماكن تخزين السلاح الإيراني منطلقة من ضعف وليست قوة استباقية.

انتقال نظام الرئيس السوري بشار الأسد من مرحلة التقدم الميداني المتسارع إلى مرحلة الاستقرار خط أحمر بالنسبة لإسرائيل. أي مظاهر هدوء في سوريا حاليا تعني بالضرورة أن القوى الكبرى قبلت بعوامل بقاء الأسد، وبالأمر الواقع الذي خلقه بقاؤه على الأرض.

أهم عناصر هذا الأمر الواقع الطريق الاستراتيجي الإيراني من طهران إلى بيروت، مرورا بالأراضي السورية. هذا يجعل الهدف الأول بالنسبة للإسرائيليين محاولة خلط أوراق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قدر الإمكان، وتغيير مسارات رؤيته لإيصال النظام السوري إلى مرحلة الانتصار الكامل.

الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية في سوريا هي إبقاء القدرات الإيرانية عند خط أحمر تعتمده إسرائيل بشكل منفرد، دون إشراك القوى الكبرى. هذا يتطلب أربعة شروط يجب تحقيقها كي تكون هذه الاستراتيجية ناجحة.

أول هذه الشروط عدم السماح للإيرانيين بالوصول إلى البحر المتوسط. ربط قواعد النظام على الساحل السوري بإيران معناه تشكل حزام ممتد من ريف حلب في الشمال الغربي، مرورا بحماة وحمص ودمشق، حول لبنان، الواقع تحت سيطرة حزب الله. لن يبقى حينها أمام إسرائيل سوى درعا والمناطق المحاذية للجولان، باستثناء القنيطرة، وهي مناطق تحظى بفيتو أميركي أمام أي تقدم إيراني وهذا هو الشرط الثاني.

أما الشرط الثالث فهو الضغط على الولايات المتحدة لعدم السماح لإيران بتثبيت سيطرتها على القواعد الجوية السورية الأساسية. هذا يفسر الإحباط الإسرائيلي من نتائج الضربة التي قادتها واشنطن وباريس ولندن على معامل أبحاث كيميائية وبعض المواقع العسكرية السورية الأخرى، ويجعل ضرب إسرائيل مجددا لقاعدة التيفور، إلى جانب قاعدتي تياس قرب تدمر والكسوة جنوبي دمشق، احتمالا كبيرا.

الشرط الرابع هو أن تتم كل هذه الأوركسترا في وقت واحد، دون أن تقود إلى حرب شاملة مع إيران في المنطقة.

انتقال نظام الرئيس السوري بشار الأسد من مرحلة التقدم الميداني المتسارع إلى مرحلة الاستقرار خط أحمر بالنسبة لإسرائيل

المشكلة بالنسبة للإسرائيليين هي أن ترامب أثبت أن لا فرق جوهريا بينه وبين سلفه باراك أوباما عندما يتعلق الأمر بسوريا.

إعلان ترامب رغبته في سحب القوات الأميركية من سوريا، وإلغاء المساهمة الأميركية في إعادة إعمار الرقة، أرسلا رسالة للإسرائيليين بأن الولايات المتحدة التي تعهدت بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وضمان مصالح إسرائيل في صراعها مع الفلسطينيين، ليست هي الولايات المتحدة التي لا تريد أن تفعل شيئا يذكر لكي تضمن أيضا مصالح إسرائيل في سوريا.

لم يعد الإسرائيليون، وكثير من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، قادرين على فهم ترامب، الذي من المتوقع أن يعلن انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران الشهر المقبل، في نفس الوقت الذي يريد فيه الانسحاب من أمام إيران في المنطقة.

الإسرائيليون باتوا على قناعة بأنه لم يعد أمام إسرائيل إذن سوى الاعتماد على نفسها في مواجهة الروس في سوريا. مشكلة إسرائيل ليست في أنها لا تملك استراتيجية للمناورة مع بوتين، بل إنها كلما وضعت استراتيجية جديدة تسبب غياب اليقين حيال تصرفات ترامب في موتها قبل أن تبدأ.

فعندما ضرب ترامب مطار الشعيرات في أبريل من العام الماضي، رسمت إسرائيل رؤيتها لمستقبل الصراع السوري بشكل مغاير تماما لما بات عليه الحال اليوم. وقتها أراد ترامب أخذ خطوات واسعة بعيدا عن سياسات أوباما عبر إظهار أنه سيلتزم بخط أحمر لم يضعه من الأساس.

لم يكن بوتين حينها قد تحول بعد إلى المتحكم الوحيد في مفاعيل الصراع، ولم تكن نتائج الحرب قد حسمت عسكريا بعد لصالح الأسد، كما لم تكن العلاقات الغربية الروسية قد انزلقت إلى مستويات خطيرة كما هو الحال اليوم.

إسرائيل كانت الخاسر الأكبر على المستوى الإقليمي من كل هذه التغيرات الكبرى في مسار الصراع السوري.

تعقيد الوضع الإسرائيلي في سوريا مرتبط بعقيدة ترامب القائمة على أن “أميركا يجب أن تبقى في أميركا”، وعلى من يريد غير ذلك دفع الثمن أولا. لم تعتد إسرائيل على دفع أثمان مقابل أي خدمات أميركية من قبل. بالنسبة للمسؤولين الإسرائيليين، هذا الكلام يسري على الحلفاء الآخرين في المنطقة، وليس على إسرائيل.

عقيدة ترامب، التي ربطها مساعدوه باستثناء واحد فقط هو عندما يرتبط الوجود الأميركي في أي مكان في العالم مع المصالح الأميركية، تقلص كثيرا من قدرات الردع الأميركية في المنطقة. هذا يجعل الهدف الرئيسي للإسرائيليين اليوم هو الاستثمار في محاولة إقناع الولايات المتحدة بأن إسرائيل مستعدة لإشعال حرب كبرى بشكل منفرد، وأن منع ذلك من مصلحة أميركا، ولن تستطيع الأخيرة منع اشتعال الحرب إلا لو أبقت على قواتها في سوريا.

هكذا صار تفكير الإسرائيليين. في ظاهره يبدو تفكيرا استراتيجيا بعيد المدى، لكن الواقع يقول إنه تفكير دفاعي يلجأ إليه فقط من لا يملك أوراقا أو خيارات عدة يستطيع المناورة بها تجاه الأزمات.

كل ما بات واضحا من منطق ترامب هو أن مساعديه تمكنوا من إقناعه بالإبقاء على القوات الأميركية لبضعة أشهر إضافية اعتمادا على “تخويفه” من عودة داعش مرة أخرى. هنا قد يأتي دور الإسرائيليين، الذين قد لا يجدون أي مانع من الاستثمار في عودة شكل من أشكال داعش في مناطق استراتيجية بالنسبة إليهم لجر القوات الأميركية إليها، وإبقائها لأطول وقت ممكن.

لكن في الوقت الراهن سيتركز صراع إسرائيل مع إيران والوقت. كلما قلل الغرب من ضغطه للدفع باتجاه المسار السياسي في سوريا، كلما كثفت إسرائيل من محاولاتها تأخير الاستقرار وتعطيل خلق واقع جديد معاكس لمصالحها.

إسرائيل تعلم أنها لا تملك قدرات ولا شرعية تؤهلها للتأثير في أي تسوية سياسية مستقبلية، لكن كل ما تملكه هو تعطيل هذه التسوية إلى حين توصل القوى الكبرى إلى رؤية، وإظهار الاستعداد لفرضها على كل الأطراف الأخرى.

ستستمر الضربات الإسرائيلية على قواعد إيران والجيش السوري كلما حقق الأخير تقدما على الأرض. هذا بات مؤكدا. لكن ما ليس مؤكدا هو: إلى متى ستستمر المغامرة الإسرائيلية في سوريا دون أن تشعل حربا إقليمية؟

9