"الضرورات الأمنية" تنتهك قيم الحريات الدينية في الجزائر

تقارير صادرة عن منظمات حقوقية تنتقد وضعية الحريات الدينية في الجزائر، وتتهم الحكومة بممارسة التضييق والقمع في حق بعض الأقليات والناشطين الدينيين.
الاثنين 2018/07/30
الأحمدية من العقائد المضطهدة في الجزائر

الجزائر- باتت تقارير المنظمات الحقوقية حول وضع الأقليات الدينية وحرية المعتقد في الجزائر مصدر قلق بات حقيقيا لسلطات البلاد، فاعتماد المقاربة الأمنية في معالجة الصراعات المذهبية والأفكار الطائفية، وفي الحد من موجة التبشير الممارسة من طرف بعض المدارس المسيحية، كلفها سلسلة من الانتقادات الحقوقية وحتى الدبلوماسية، مما دعاها إلى الانخراط في حملة علاقات عامة لشرح الوضع الداخلي والتأسيس لمعادلة جديدة تقوم على التوفيق بين قيم التسامح الديني والضرورات الأمنية.

واستغل وزير الخارجية الجزائري عبدالقادر مساهل فرصة انعقاد الندوة الوزارية حول الحريات الدينية في واشنطن، للمرافعة لصالح المقاربة التي تعتمدها بلاده من أجل التوفيق بين الضمانات التي يقدمها الدستور للحريات الدينية والمعتقدات وحقوق الأقليات، وبيّن الدواعي الأمنية التي باتت تستغل التنوع الديني من أجل الوصول إلى أغراض وأجندات سياسية واستراتيجية.

وانتقدت عدة تقارير صادرة عن منظمات حقوقية في الآونة الأخيرة، وضعية الحريات الدينية في الجزائر، واتهمت الحكومة بممارسة التضييق والقمع في حق بعض الأقليات والناشطين الدينيين، وهو ما يتنافى مع بنود الاتفاقات الدولية التي وقعت عليها الجزائر لضمان حرية المعتقد والدين في البلاد.

ومثلت حادثة قيام السلطات العمومية في الأسابيع الماضية بغلق كنيسة سرية بمنطقة القبائل بدعوى النشاط السري غير المرخص له، فضلا عن الملاحقات التي تطال أنصار الطائفة الأحمدية الذين أحيلوا على القضاء وأدين معظمهم بالسجن النافذ بدعوى المساس بالاستقرار الاجتماعي وممارسة شعائر دينية بصفة غير رسمية، واحدة من الممارسات التي انتقدتها المنظمات الحقوقية واتهمت الحكومة بانتهاج القمع والتضييق على الحريات الدينية.

ويرى ناشطون حقوقيون أن “الضمانات التي كفلها دستور البلاد في 2016 للحريات الدينية والمعتقدات والضمانات التي قدمها قانون العام 2006 لا تجد تجسيدا على الميدان في ظل استمرار السلطات العمومية في التضييق على نشاط فاعلين في التبشير للديانة المسيحية أو بعض المذاهب الإسلامية، حيث يجري الغلق المتكرر لدور العبادة المسيحية وتفكيك خلايا التيار الأحمدي”.

وذكّر عبدالقادر مساهل في الندوة الوزارية حول الحريات الدينية التي كانت بدعوة من وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، بأحكام البند 42 من الدستور الجزائري الذي ينص على أنه “لا مساس بحرمة حرية المعتقد وحرمة حرية الرأي وحرية ممارسة العبادة مضمونة في ظل احترام القانون”.

ملاحقات أمنية تطال أنصار الطائفة الأحمدية
ملاحقات أمنية تطال أنصار الطائفة الأحمدية

ولفت إلى أن المشرع الجزائري “حرص على أن تضطلع المؤسسات الجزائرية الدينية بتوفير كل الشروط المطلوبة من أجل دعم الحريات التي كرّسها الدستور وقوانين الجمهورية، لا سيما في ما يتعلق ممارسة الشعائر الدينية في الجزائر، سواء الإسلامية أو غير الإسلامية على أن تتم في إطار القانون الذي يسري على كافة المواطنين ويخص جميع الديانات”.

وشدد على أن “القوانين الجزائرية تتطابق في مضامينها مع الالتزامات الدولية للبلاد ومع أحكامها المتعلقة بممارسة الحرية الدينية، مع ضمان معاملة قانونية للديانة الإسلامية وللديانات الأخرى، وأن الوزارة المكلفة بالشعائر الدينية لا تسمى وزارة الشؤون الإسلامية، بل وزارة الشؤون الدينية والأوقاف”.

ووجدت الحكومة الجزائرية نفسها في الآونة الأخيرة أمام ضغوط متعددة، فمن جهة خلايا سرية للتبشير المسيحي تركز نشاطها في منطقة القبائل، وتعتمد أساليب خفية لتبليغ أفكارها من أجل استقطاب مريدين جدد مستغلة الظروف الاجتماعية الصعبة وحالة الحنق لإغراء هؤلاء بمشروعها، ومن جهة أخرى صراع محتدم بين أفكار ومشاريع مذهبية وطائفية إسلامية، فضلا عن مخاطر الحواضن الأيديولوجية للتطرف والإرهاب، مقابل انتقادات المنظمات الحقوقية الدولية حول ما تسميه بـ”التضييق وقمع الحريات الدينية والعقائدية”.

وتجد الدبلوماسية الجزائرية في الإجماع الدولي على محاربة الإرهاب، متنفسا لتبرير ممارساتها تجاه بعض الناشطين الدينين في البلاد، لا سيما أولئك الذين يروجون لأفكار وأيديولوجية حديثة وغريبة عن المجتمع، كما هو الشأن بالنسبة للطوائف الأحمدية والشيعية وحتى السلفية.

وتعتبر الجزائر أن تصاعد موجات التعصب والإسلاموفوبيا ومعاداة الأجانب في الولايات المتحدة والغرب، هو نتاج فهم خاطئ للدين الإسلامي وخلط بين قيم وسماحة الإسلام وبين دموية وعنف الإرهاب، وأن رد فعل كهذا يساهم في تغذية قيم التسامح بين شعوب المعمورة وبين الديانات والحضارات الإنسانية.

وفي هذا الشأن أكد وزير الخارجية الجزائري في الندوة الدولية حول الحريات الدينية بواشنطن أن “الاختلاف لا ينجر عنه بالضرورة تهديد كما أن التنوع ينطوي دائما على إمكانيات كبيرة للإثراء المتبادل، وأن ممارسة العقيدة الدينية هي شكل مهم من أشكال التعبير عن الحرية الفردية، ويجب أن تبقى وتكون محمية من اتجاهات عدم التسامح والإقصاء”.

وأضاف “إن هذه الغاية تتطلب ترقية محيط مؤسساتي موات يرتكز على القاعدة الصلبة لسلطة القانون والمساواة في الحقوق دون أي تمييز أو تفرقة، وهذا التحدي المتقاسم الذي يستوقف جميع الأمم يدعو إلى إجراءات أكثر من شأنها أن تعزز بشكل متزايد عالمية القواعد التي انضمت إليها البلدان بمحض إرادتها في إطار المعاهدة الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية”.

13